محمد بن زكريا الرازي
200
الحاوي في الطب
رأيت إنسانا عرضت له هذه الأعراض مع وجع يسير ودامت به مدة طويلة وكان يحم في الوقت بعد الوقت حمى يوم ويصيبه في الأحايين نافض فعلمت بالحدس أنه قد حدث في مريئه ورم عسير النضج ، ولما مرت الأيام أحس العليل بأن ذلك الخراج انفجر وتقيأ على المكان قيحا في اليوم الثاني والثالث أيضا لم يتبعه بعد ذلك جميع العلامات الدالة على قرحة في فم المعدة ، فذلك أنه متى ازدرد شيئا له كيفية قوية حامضا أو مالحا أو حريفا أو قابضا أحس بلذع على المكان وكان يوجعه ذلك الموضع قليلا ، وإن لم يزدرد شيئا وطالت بهذا الرجل هذه العلة وتدافعت وأعانه على البرء السن ، لأن الذين أصابتهم هذه العلة ممن كان كل واحد أكبر سنا من هذا ماتوا كلهم ، وجميع هؤلاء كانوا يجدون الألم بين أكتافهم لأن المريء موضوع هناك إلى جانب عظم الصلب ، فأما الدم الذي يخرج بالقيء فإنه إن كان من المريء أحس بالوجع في هذا الموضع ، وإن كان هذا الدم من فتح عروق كان بلا وجع ، وإن كان من تأكّل كان دما متغيرا كأن الذي مضى من كلامه إنما هو في المريء وهاهنا يقول في فم المعدة . لي : هذا يعني به أعالي المعدة حيث يتصل بها المريء ، قال : وقد تحدث عن هذا العضو بالمشاركة علل كثيرة كالغشي والتشنج والصرع والسبات والوسواس والخيالات في العين مثل خيالات الماء ، فأما ما يحدث به نفسه فتعطل الشهوة وفساد الطعام الذي يطفو فيه لأن من الطعام ما لا يطفو بل يرسب بطبعه إلى قعر المعدة ، وخاصة ما كان عن الفساد فإنه لا يعرض من هذا شيء ، ويبلغ من سرعة حس هذا الموضع أن تعرض له علل كثيرة ، وقد كان رجل متى أبطأ عن الطعام أو غضب أو اهتم تشنج ، فحدست أن فم معدته لكثرة حسه إذا انصبّ إليه شيء تأذى به وتأذى لذلك الدماغ حتى تصيبه منه رعشة قريبة من حركة التشنج ، فأمرته أن يستمرىء غذاءه استمراء صحيحا ، وأن يأكل في الساعة الثالثة قبل وقت عادته بالأكل خبزا محكما بشراب قابض ، لأن هذا النوع يقوي المعدة ولا يضر بالرأس فلم تنب عليه علته ، ثم لما كنت وقفت على علته بالحقيقة سقيته من أيارج الفيقرا في السنة مرات ثلاثا أو مرتين لأنه ينقي المعدة من المرة تنصب إليها وتتولد فيها تعينها على أفعالها الخاصية فعاش سنين كثيرة لا يشكو شيئا من ذلك ، وكان إذا عرض له شغل يبطئ به الطعام عرض له تشنج يسير جدا ويعرض لفم المعدة من ثقلة بالطعام الكثير سبات لا يسكن إلا بقيء جميع ما يأكل ، ويعرض من اجتماع المرار فيها تشنج فيسكن بالقيء ويحدث من أجله غشي ومنامات مضطربة إذا كان في فم المعدة أخلاط رديئة ويحتاج في هذه العلل إلى أن تنقيها كلها بالأيارج ويعرض من أجله المالنخوليا . قال : والشهوات الرديئة كشهوات الحبالى التي تعرض أيضا من أجل هذا العضو ، وكذلك الشهوة الكلبية والتهوع والفواق في أسفل المعدة تعرض هذه كما تعرض في فمها من سوء المزاج والأورام والقروح إلا أنها أقل وجعا ولذعا ، ولا يعرض من أجله من أجل فم