محمد بن زكريا الرازي
140
الحاوي في الطب
تحليل ولا قبض كثير لئلا يصير مجففا ، فاجتنب الأشياء العفصة في هذه الأمراض ، فإن كان البرد مع اليبس قويا جدا فاعلم أنه أصعب سوء المزاج وأعسره فاطرح العفصة والأشياء القوية الحرارة فإنها تجفف والزم القصر ، وإن طال أمرك فخذ المصطكي الدسمة في غاية الدسومة واسحقها بدهن الناردين واغمس فيها صوفة أرجوان وضعه على المعدة واخلط معه إن أمكنك من البلسان ، وأطعم العليل عسلا قد نزعت رغوته مع لبن أكثر مما كنت فعلت ، واعلم أن العسل متى نزعت رغوته قلت فضوله وكثر غذاؤه ، والعسل أيضا وحده إذا طبخ صار من أجود الأشياء التي يغتذي بها أصحاب المعد الباردة ، فأما أصحاب المعد الحارة فضار لهم ، فلا تقدم لأصحاب المعد الباردة على العسل شيئا ، واهرب منه عند المعدة الحارة ، وإذا كان على هذا فاجعل أكثر أغذيته العسل الذي نزعت رغوته بأحكام على نار فحم البلوط أو الكرم أو بلوط قد ذهب دخانه ، فاختر له من ذلك النوع من الشراب أعتقه ، ولا يكون مرا فإنه يجفف أكثر مما ينبغي ، وأطل على معدته وبطنه كله زفتا كل يوم ، وانزعه قبل أن يبرد وافعل ذلك في اليوم مرتين ، لأن أكثر من ذلك يحلل وإنما قصدنا به أن يجتذب دما جيدا إلى الجسم ، قال : وهذا اللطوخ الزفتي من أنفع الأشياء لهم ، أعني لأعضائهم التي قد بليت وسلبت الغذاء ، وليكن غرضك الزيادة في جوهر الحرارة لا في كيفيتها ، وهذا يتم بالأغذية التي تقدم ذكرها وبالشراب فإنه أبلغ في ذلك ، وأشياء من خارج ، منها : صبي حسن اللحم يعتنق حتى يلتصق ببطن العليل عند نومه ومعدته دائما وإن لم يكن صبيا فجرو كلب سمين فإن هذا يصلح لمن معدته ضعيفة في حال الصحة وتوقع أن يعرق الصبي لأنه متى عرق كان تبريد العليل أحرى منه بإسخانه . لي : والسنانير أيضا ، وامسح بدن الصبي بأشياء تمنع من العرق ، قال : والتكميد يضر من به هذه العلة ، وأما اليابس فإنه ينشف ما في الأعضاء الأصلية ، وأما الرطب فيحلل هذه الرطوبة التي في الأعضاء الأصلية وتوسع مسام الجسم ويجعله سريع القبول للبرد وخاصة إذا كثر من هذه ، فإن كان مع اليبس حرارة ليست كثيرة جدا فدبره بالتدبير الأول الذي لصاحب اليبس وحده ، واحذر العسل وليكن شرابه في الصيف باردا وفي الشتاء حارا فاترا ، وامرخ معدته بزيت إنفاق ودهن السفرجل ، وبمقدار الحرارة تزيد في مزاج الشراب وبرده بالفعل . في سوء المزاج الحار اليابس فليفرق باليبس حرارة ليست بالكثيرة جدا ، أقول : إنه قد برئ من هذه بالتدبير الأول بعينه الذي لصاحب اليبس وحده ويجعل شرابه أحدث ويجعل طعامه في الصيف باردا وفي الشتاء حارا وتمرخ معدته بزيت إنفاق ودهن سفرجل ، وبمقدار الحرارة تزيد في مزاج الشراب وتزيده بالفعل ، واعلم أن هذا المرض شبيه بالحمى .