محمد بن زكريا الرازي
138
الحاوي في الطب
ورده إلى الأطعمة التي كان يألفها ودرّجه في ألطفها قليلا قليلا فتطعمه أولا الأكارع واللحم البائت ليلة وعلى طريق العادة التي كانت لهم وليكن بالعشاء أقوى . لي : إنه ينبغي للناقة والذي بمعدته سوء مزاج يابس والذي قد شارف الوقوع في الذبول فإن هذا التدبير عام فيهم ، وهؤلاء يحتاجون إلى غذاء كثير وليس يقدرون على استمراء الغذاء المعتدل فضلا عن الكثير فيجب أن يغذو قليلا قليلا شيئا فشيئا في مرات ، فإذا أقبلوا إلى الصحة فاكتف بتغذيتهم في اليوم مرتين ليستمرىء طعامه الأول وينهضم انهضاما محكما قبل أن يتناول الطعام الثاني ، وإذ ذاك كذلك فيجب على هذا أن يكون الطعام الأول ضعيفا خفيفا ليستمرىء وينهضم وينحدر فضلته في أسرع الأوقات ولا تسقهم شيئا حتى يستمرىء الطعام الثاني وينحدر عن معدهم ، فإذا أصبحوا وتبرزوا ومشوا قليلا دلكوا بقدر ما تسخن أبدانهم يركبون ، فإذا نزلوا من الركوب دلكوا أيضا وأدخلوا الحمام قبل انتصاف النهار لتكون بين ذلك الوقت وبين العشاء مدة كافية ، وليكن موضع العليل معتدل الهواء . قال : وذلك أن تدبير الناقة متوسط بين تدبير الأصحاء والمرضى ، وانح في أموره نحو عادته في كيفية الأطعمة وأوقاتها في الأغذية والأشربة وسائر التدابير ، فإن للعادة حظا ، وليس في تدبير الناقة وحده بل وفي تدبير المريض ، فمن عادته أن ينام نهارا ويسهر ليلا فأجره على ذلك وبالضد ، واعلم أن من الناس من يلحقه الغشي من كشك الشعير فإذا شربه حمض في معدته فاعمل بحسب ذلك وانظر في الزمن . في أصناف الذبول : واعلم أن سوء المزاج اليابس إذا بلغ الغاية ولو كان في عضو واحد كالمعدة فليس إلى برئه على الكمال سبيل ، لأن هذه المعدة تصير كأنها من معد الشيوخ ، ولهذا تسرع إليهم الآفة من أدنى سبب كالذي يعرض للشيوخ ولا يقدرون على استمراء الطعام على ما يجب فتنهك أبدانهم لذلك ، ومن أصابه هذا السوء مزاج في فؤاده فإنه يؤول إلى الذبول سريعا ، وهذا الذبول يؤول إلى الموت سريعا ، وبعد الذبول الحادث عن المعدة الذبول الكبدي ، فأما الذبول الحادث عن أعضاء أخر فمدته تكون أطول بحسب قلة خطر ذلك العضو ، فأما من يبس جرم فؤاده يبسا يسيرا فإنه يهدمه سريعا وقد يعيش مدة أطول ممن نكأ اليبس فؤاده نكاية شديدة . وبعد هؤلاء في الطبقة من أصابه ما وصفت في كبده أو في معدته ، ومن أصابه مثل ذلك في واحد من سائر أعضائه هم بعد ذلك ، ومن أصابه مثل هذا اليبس فإنما ذلك من الأشياء التي تفني الرطوبات التي تغذو الأعضاء الأصلية فقط من جنس واحد بعينه . لي : تدبيره لأمثال هؤلاء طمعا في أن يفيدهم التدبير نفعا مّا وإن قل كما يفعل ذلك بالشيوخ أعني أن يرطبوا . قال : وكذلك من أصابه اليبس الثالث الذي ذكرناه يعني الذين بهم ابتداء الذبول إلا أنه في الأعضاء القريبة العهد بالجمود بعد ، قال : وأسهل طبقات اليبس وأسرعها برءا اليبس الرابع الحادث عن استفراغ العروق الصغار من الرطوبات التي فيها .