محمد بن زكريا الرازي

64

الحاوي في الطب

بالصورة التي أصف فليقو ظنك ويكون لا يفتح عينيه فتحا جيدا كأن به خفشا وتكون أعينهم ثابتة قليلا وشفاههم غليظة أديم الألوان زعر الأبدان صدورهم وما يليه عظيم ، وما دون ذلك من البطن ضامر ، وحركتهم قويت سريعة لا يقدرون على التمهل ، لالثغ دقاق الأصوات ، ألسنتهم سريعة الحركة بالكلام ، قال وليس يظهر في كل هؤلاء قيء وإسهال معه كيموس أسود بل ربما كان الأكثر الظاهر منهم البلغم فإن ظهر في الاستفراغ شيء أسود دل على غلبة ذلك وكثرته في أبدانهم وخف منهم مرضهم قليلا ، على أن منهم من يخف مرضه بخروج البلغم منه أكثر مما يخف بخروج الخلط الأسود ، وظهور الخلط الأسود فيهم يكون إما بالقيء أو البراز أو البول أو قروح في الجسد أو بهق أو كلف أو جرب أو سيلان البواسير ، وما أكثر ما يعرض الدوالي لهم ، والذين لا يظهر فيهم الخلط الأسود أعسر علاجا على أنه وإن كان خروج البلغم يخف عنهم فإن الغالب عليهم الخلط الأسود ، فإليه ينبغي أن يقصد بالاستفراغ وليس من كثرة السوداء في البدن كان الغالب الماليخوليا ، ولكن إذا كانت منتشرة في الدم كله كالبول الذي لا يرسب ثفله ، فأما إذا كانت راسبة فإنها وإن كانت كثيرة لا يكون منها ذلك ، قال : فأما إذا تميزت من الدم كيف كان إلى ظاهر البدن كالحال في الجرب والبهق الأسود أو خرجت عنه كالحال في البول والبراز الأسود وعظيم الطحال والدوالي لم يكن له الماليخوليا . لي : لأن في حال الانتشار يحتاج الدماغ إلى أن يغتذي بدم أسود في حال الحيازة عنه ولذلك قد يهيج الماليخوليا كثيرا في الربيع وفي أصحاب الدماء السود ، لأن الربيع من شأنه أن يثور الأخلاط ويغلي الدم كما يغلي في ذلك الوقت ماء العيون ويكدر حتى يرمي بما أسفلها إلى أعلاها ، وكالحال في العصير الذي يكون حال الدم في الربيع ، قال : وللدم أيضا أوقات يتكدر فيها شوايب كما يغلي العيون في أوقات معلومة يكدر فيها ماؤها ويرمي بما في أسفلها إلى فوق ، ومن دلائل هذا المرض كثرة الاحتلام والدوار ودوي الأذن وثقل الرأس ، وهذه تكون بسبب الريح المنثور الذي في السوداء فإن كان معها ريح كما أن مع جميع الأشياء الباردة ريح ولست أعني الجامد لكن التي لن تبلغ من حرها أن يلطف البخارات . قال : وشهوة الجماع فيهم أيضا دليل على أن في السوداء ريحا كثيرة وأصحاب الطبايع الفاضلة مستعدون للماليخوليا لأن الطبايع الفاضلة سريعة الحركة كثيرة الفكر . قال : والذين بهم الماليخوليا يحسن حالهم ويخف بإطلاق البطن والجشاء والقيء . لي : هذا في الشراسيفية لا في غيرها ولم يذكر روفس إلا هذا الضرب وإني لأعجب من جالينوس كيف لم يقل أن روفس لم يذكر شيئا ولا علاجا إلا بضرب واحد من ضروب هذه العلة . العلاج : أسهلهم بالأفتيمون والصبر فإنهما معا يلين إسهالهما وينفعان المعدة ويحتاجون إلى ذلك لأنهم سيئوا الهضم ، واعطهم كل يوم بعد النفض بهما شيئا قليلا واعطهم كل يوم ثلاثين درهما من عصارة الأفسنتين ، ولا تغب الإسهال عنهم بما ذكرت فإنك إذا فعلت ذلك لم يعرض لهم النفخ الكثير ولم تجف طبايعهم وجاد هضمهم وادر