محمد بن زكريا الرازي

11

الحاوي في الطب

حاتم الرازي المتوفى سنة 330 في طبرستان وأذربيجان في أوائل القرن الرابع للهجرة ، وقد كان معاصرا ومواطنا للرازي الطبيب ودارت بينهما مناقشات حادة ومتعددة حضرها بعض العلماء والرؤساء السياسيين ! وقد شاء أبو حاتم أن يدوّن هذه المناقشات في كتابه « أعلام النبوة » ومع أنه لا يصرح في هذا الكتاب باسم الرازي ويكتفي بأن يوجه نقده إلى من سمّاه الملحد ، غير أن هناك أدلة على أن هذا الملحد ليس شخصا آخر سوى الرازي ، فإن حميد الدين الكرماني المتوفى سنة 412 ه وزعيم لدعاة الإسماعيليين في عصر الحاكم بأمر اللّه يصرح في كتابه « الأقوال الذهبية » بأن مناقشات في النبوة والمناسك الشرعية دارت بين الرازي والشيخ أبي حاتم بجزيرة الري أيام مرداوج وفي حضرته ، والكرماني حجة في هذا الباب ، فإنه أعرف ما يكون بأخبار الإسماعيليين زملائه وبمواقف الرازي وآرائه التي أخذ على عاتقه أن ينقض بعضها في كتابه الآنف الذكر ، ومما يؤسف له أن مخطوطة « أعلام النبوة » الوحيدة التي وصلت إلينا بدون مقدمة ويغلب على الظن أن هذه المقدمة المفقودة كانت تشتمل على غرض الكتاب والدافع إلى تأليفه . فكتاب « أعلام النبوة » يوقفنا على الاعتراضات الرئيسية التي وجهها الرازي إلى النبوة وأثرها الاجتماعي . وهذه الاعتراضات في جملتها تقترب بعض الشيء من الاعتراضات التي أثارها ابن الراوندي من قبل وكأن الرجلين يرددان نغمة واحدة ويصدران عن أصل معين أو كأن تعاليم هندية وآراء مانوية اختفت وراء حملتهما . ونحن نعلم من جهة أخرى أن الرازي يقول بالتناسخ الذي عرفت به السمنية من الهنود ويتشيع للمانوية الذين كانوا يدسون في غير ملل للإسلام ومبادئه . ولا يبعد أن يكون قد وقف على نقد الإغريق للديانات على اختلافها ، وسواء أكان الرازي متأثرا بعوامل أجنبية أم معبرا عن آرائه الشخصية ، فإنه يصرح بأن الأنبياء لا حق لهم في أن يدّعوا لأنفسهم ميزة خاصة عقلية كانت أو روحية ، فإن الناس كلهم سواسية وعدل اللّه وحكمته تقضي بألا يمتاز واحد على آخر . ويظهر أن ما أشاعه أبو حاتم الرازي صاحب كتاب « أعلام النبوة » من أن الرازي يفضل فلسفة الفلاسفة على دين الأنبياء قد شاع في المحيط الإسلامي على سبيل السماع ، لذلك نجد مثلا أن ابن تيمية أيضا اتهم أبا بكر الرازي بإنكار النبوة واستطرادا في تفضيل دين الأنبياء على فلسفة الفلاسفة . وفي مقابل رأي الذين ادعوا أن للرازي كتابا مفقودا يسمى « مخاريق الأنبياء » يذكر أن ابن النديم قد نص على كتاب الرازي ، يفهم منه أن الرازي يدافع عن النبوة والأنبياء ، وعنوانه : فيما يرد فيه إظهار ما يدعى من عيوب الأنبياء . كذلك دافع ابن أبي أصيبعة في كتابه : عيون الأنباء . عن الرازي بقوة منكرا صحة نسبة « مخاريق الأنبياء » إليه فيقول : « هذا الكتاب - إن كان قد ألف - واللّه أعلم - فربما أن بعض الأشرار المعادين للرازي قد ألفه ونسبه إليه