محمد بن زكريا الرازي

10

كتاب القولنج

كما نجد في الحاوي مشاهدات سريرية كثيرة « 1 » ، وقصص مرضى من ممارسته ، اهتم بدراستها الأطباء والباحثون منذ بداية هذا القرن . وتبرز الناحية العملية عند الرازي بوضوح أكبر ، عند مقابلة ما جاء في كتاب القولنج ، مع المقالة الثانية لرسالة الشيخ الرئيس في نفس الموضوع ، والمقالة الثانية مخصصة للجزء السريري من هذه العلة ، والشيخ الرئيس يسهب فيها تصنيفا وتبويبا ، فهو يقسم القولنج أولا إلى أصناف أول ، مع ذكر فروع كل صنف ، ثم يقسمه من جهة أسبابه ، ثم يعود ليقسم القولنج الكائن بالمشاركة ، مستعرضا أعضاء الجسم جميعها ، وكيف يمكن أن تكون سببا للقولنج ، ويعكف أخيرا على تعداد الأسباب على سبيل الاجمال ويحصيها ، فيراها ستين سببا . كل ذلك بأسلوب منطقي ، يقدم له المقدمات الغريزية ، والغريزية المرضية ، مشتقة من نظرية الأخلاط . بينما نجد الرازي في كتاب القولنج عزوفا عن التصنيف والتبويب ، يورد الوقائع دون إسهاب في التعليل ، دون مقدمات غريزية أو غريزية مرضية ، حتى إنه في الباب الأول من كتاب القولنج ، ينتقد هذا الاسهاب في المقدمات التشريحية ، التي لا طائل لها ، ويفتتح هذا الكتاب بالتشخيص التفريقي ، وهي العملية الفكرية الأولى التي يقوم بها الطبيب عند فحصه المريض . ولعل أفضل مقابلة وأدقها بين هذين الشيخين وكتابيهما ، أن نتصور الرازي يعرض على طلابه في المستشفى مريضا مصابا بداء القولنج ، بينما يحاضر ابن سينا عن هذا الداء في الكلية . بلغ الرازي في الطب مستوى لا يدرك ، وقد أجمع معاصروه على ذلك . حتى هؤلاء

--> ( 1 ) اهتم الدكتور ألبيرزكي إسكندر ، منذ عدة عقود ، بابراز الناحية السريرية في آثار الرازي الطبية ، انظر خاصة مقالة « الرازي الطبيب الإكلينيكي » - المشرق 56 : 1962 ص 217 - 282 وكذلك كتاب « المرشد والفصول » للرازي تحقيق الدكتور ألبيرزكي إسكندر ، ومحمد كامل حسين ؛ أنظر أيضا :