محمد بن زكريا الرازي
25
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
غير جسم ، وناقض - أيضا - في قوله : جسم غير مكيّف ، والجسم لا محالة ذو شكل ، والشكل كيفية ، فكيف يكون غير مكيّف . ثم قال بعد قليل : الجسم الأول هو عار من كيفية الشكل وليس يمكن أن يخلو ما له طول وعرض وعمق من الشكل ، وقال : إن الخلاء ليس بمحسوس ، ولم يبيّن هل هو موجود أم لا . وأما الزمان فهو موجود لا محالة والكم غير مفارق له إلا أنه ليس بجسم . وصرّح أن الزمان عنده جوهر إذا كان قد حمل الكم ، ومعلوم أنه قد أخرج ( في ) قوله هاهنا الخلاء مخرج المكان ، وما يسبق إلى النفس في وجود الزمان يسبق إليها في وجود المكان ، وكذلك إذا لم يكن الزمان كمّا بل حاملا لكم فالمكان - أيضا - كذلك . وقد ذهب حيث تكلم في هذا إلى أن الهواء جسم يدفع وجود الخلاء ، فكيف حكم قبل أنه لا يمكن أن يعلم أموجود هو أم لا " « 1 » . وفيما يذهل عنه جالينوس من تفسير ظاهرة الإبصار ما ذهب إليه حين يقول : " إنه من البيّن عند جميع الناس أنه ليس يكون البصر بأن تماثيل [ تجرى ] إليه من كل واحد من الأشياء المبصرة " . ويعقّب الرازي على ذلك بقوله : " إني لأعجب من قوله : إنه من البيّن عند
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 3 - ب . ومن الواضح أن الرازي يتابع هنا أيضا ما ذهب إليه جابر بن جيان في شكوكه على جالينوس في مسألة قدم العالم وفي مراجعته لتصورات الزمان والمكان والحركة ، وذلك في كتب " التصريف " و " الخواص الكبير " و " النّخب " ، حيث أخذ جابر بن حيان على جالينوس " أنه ابتدع الشكّ وحيّر الناس وردّ على أرسطاطاليس في مواضع من كتبه وفي كتابه في المحرّك الأول وفي كتابه في البرهان وذلك أنى أعتقد في جالينوس أنه ما علم ما قال البتة في هذه المواضع والشكوك " . ( كتاب النخب " ورقة 139 مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 1721 ) . و " إن جالينوس مع تمكنه من العلم وتدرّبه في النظر قد أخذ مقدمات من هذا الباب على أنها أوائل تمثّل بها . . وأنا أحسب أن هذه ليست صحيحة . . . وقد استعمل هذا أيضا في كتابه المسمّى ( البرهان ) فإنه قال هناك مغالطا أو على سبيل أنه خاف عليه " . ( كتاب التصريف ص 420 ) .