محمد بن زكريا الرازي

14

كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس

جميع عمره ؛ لأن مقدارها أطول من مقدار عمر الإنسان بكثير ، وليست هذه الصناعة فقط بل جلّ الصناعات كذلك ، فإنما أدرك ما أدرك من هذه الصناعة إلى الغاية في ألوف السنين ألوف الرجال . فإذا اقتفى المقتفى أثرهم صار ما أدركه ( كدركهم ) كلهم في زمان قصير ، وصار كمن عمّر تلك السنين وعنى بتلك العنايات ، وإن لم يكن ينظر في كتبهم فكم عسى تراه يمكن أن يشاهده في عمره وكمّ مقدار ما يبلغه استخراجه ولو كان من أعقل الناس وأذكاهم ؟ ! على أنّ من ينظر في الكتب ولم يفهم صورة العلل في نفسه قبل مشاهدتها فهو وإن شاهدها مرات كثيرة أغفلها ومرّ بها صفحا ولم يعرفها البتة " « 1 » . هذا المعنى - الذي يكشف عن إيمان الرازي العميق بالتقدّم الموصول للإنسانية - يؤكده كذلك في كتابه " الشكوك " فيقول : " والصناعات لا تزال تزداد وتقرب من الكمال على الأيام ، ويجعل ما استخرجه الرجل القديم في الزمان الطويل للذي جاء من بعده في الزمان القصير حتى يحكمه ويصير سببا يسهّل له استخراج غيره به ، فيكون مثل القدماء في هذا الموضع مثل المكتسبين ، ومثل من يجيئ من بعد مثل المورّثين المسهّل لهم ما ورثوا اكتسابا أكثر وأكثر " « 2 » . إن الرازي ، وهو النصير الفذ للعقلانية في الفكر الإسلامي ، لم تحل ثقته في نبوغه العلمي واعتزازه بقيمة أفكاره بينه وبين شدة الحرص على تقدير الرأي الصائب يصدر عن أهل الثقة من ذوى العلم

--> ( 1 ) الرازي : " المنصوري في الطب " ، ص 235 - 236 ، بشرح وتحقيق وتعليق : حازم البكري الصديقي ، منشورات معهد المخطوطات العربية ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، الكويت . 1408 ه / 1987 م . وما بين معقوفتين هكذا ( ) إضافة من عندنا على قراءة المحقق أثرناها لاستقامة المعنى . ( 2 ) الرازي : " الشكوك على جالينوس " ، ص 1 - ب .