ثابت بن قرة

14

الذخيرة في علم الطب ( معالجة الأمراض بالأعشاب )

الباب الأول في جوامع كلام يستعان به على حفظ الصحة أقول : إذا كان مبدأ كوننا حسب ما قال الحكيم جالينوس في كتابه « في تدبير الأصحاء » من الدم والمنىّ . فالمنىّ يقوم مقام الفاعل وهو مركب من العناصر الأربعة التي هي : الحار ، والبارد ، والرطب ، واليابس . وكذلك الدم قد يجتمع فيه في الأكثر هذه الطبايع الأربع إلا أن يكون في المنىّ جوهر النار والهواء وهما متخلخلان . والأكثر في الدم جوهر الأرض والماء متكاتفان . فحفظ الصحة يكون بإقامة هذه الجواهر على اعتدالها ، وإقامة اعتدال الجوهر الهوائي والجوهر النارى يكون بالسكينة في المواضع التي يكونان معتدلين . وإذا تغيرت فتغييرها بالاحتيال فيه حسب ما ذكرناه عند الحاجة إلى ذلك . واعتدال الجوهر المائي والجوهر الأرضي يكون بضربين : أحدهما : بالإدخال على البدن من الغذاء الملائم بدل ما يتحلل منه بالحرارة الغريزية من داخل والشمس من خارج حسب الحاجة وقدر الاحتمال . والضرب الآخر : يكون بإخراج الفضول المتولدة فيه عن فضلات هضم الأغذية وإزالة ما يحدث من العوارض النفسية مما سنصفه بعد . وبعد أن يجرى الأمر في ذلك كله على سبيل الاعتدال كما قال الفاضل أبقراط في كتاب « الفصول » : استعمال الكثير بغتة مما يملأ البدن أو يستفرغه ، أو يسخنه ، أو يبرّده ، أو يحركه بنوع آخر من الحركة أي نوع كان خطر لأن كل كثير عدوّ للطبيعة ومفسد لها ، إلا أن الطبيعة أسها وجوهرها وقوامها الاعتدال ، وهي المدبرة للبدن كما قال جالينوس في تفسيره « للفصول » : الحرارة الغريزية هي سبب الأفعال الطبيعية كلها وليس طبيعة الحيوان بقول أبقراط شيئا سوى هذه الحرارة . في حفظ الصحة على ما يجب ، قال جالينوس : كثير من الناس يخرجهم سوء التدبير إلى الشره فيفسدون بذلك طبائع جيادا كما أن غيرهم ممن تركيب أبدانهم في الأصل ردئ يصلحونها بالسيرة المحمودة .