بلينوس الحكيم

المقدمة 16

سر الخليقة وصنعة الطبيعة ( كتاب العلل )

تولد تغيرات في خواصها أيضا . وإذا اتضحت وتعينت خواص الطبائع وكيفية عملها ، أمكن من هذه المعرفة توضيح الظواهر الطبيعية المتنوعة في العالم بواسطة التحليل الاستنتاجي المنظم . ان ظهور العالم من المادة الأولى من خلال تمازج الطبائع الأولية الأربع يحدث في مراحل ثلاث متلاحقة بحيث يكون التطور في السماء والأرض مترابطا إذ انه يعتقد أن الأفلاك تحكم المخلوقات الأرضية وتضع لها النماذج والصور الخاصة بتكونها ، ولذلك فان ظهور كل واحدة من الممالك الطبيعية الثلاث يوافق حالة معينة في السماء . فمثلا تكونت المواد المعدنية في الأرض بناء على تناظر مع نشوء الأفلاك السبعة ؛ وحينما أصبح للافلاك نفوس بواسطة كواكبها فكذلك أصبح على الأرض النباتات ذات النفس بدورها ؛ وفي النهاية حينما ابتدأت الأفلاك تتحرك ظهر في المناطق الدنيا الحيوانات التي لها حركة انتقالية أيضا . وبالنسبة لأسلوب معالجة الكتاب فيمكننا أن نميز جزئين هامين . ففي المقالتين الثانية والثالثة التي تبحث في السماء وفي المواد غير العضوية على التوالي ، فان المؤلف يحافظ على قصده أعني عرض تكون العالم ويصف عملية الخلق حسب الترتيب الزمني التاريخي . أما في المقالات اللاحقة التي تبحث في الأجسام الحية فهو يكتفي بموجز عن الكون المتتابع للاجناس الخمسة من النباتات والحيوانات ، وأما فيما تبقى فهو يبحث قضايا خاصة تتعلق بأشكالها ووظائفها الحيوية دون إشارة إلى الظروف الخاصة التي كانت موجودة عند وقت الخلق وهو بهذا يستفيد من الأسلوب الأدبي الشائع في معالجة ما يسمى « المسائل الطبيعية » . وأما المسائل المتعلقة بالحيوانات والانسان فإنه يمكننا أن نجد نصوصا مستفيضة مناظرة لذلك في الكتاب السرياني « كتاب الذخائر » الذي ألفه الطبيب والمترجم النسطوري أيوب الرهاوي ( توفي سنة 835 م ) . ومن أسلوب المعالجة والبحث يمكن لنا أن نستنتج أن كلا من النصين غير معتمد اعتمادا مباشرا على الآخر ، فيظهر بوضوح أن المؤلفين قد اعتمدا على مصدر مشترك قد يكون كتابا عن المسائل الطبيعية قد ضاع .