بلينوس الحكيم

المقدمة 13

سر الخليقة وصنعة الطبيعة ( كتاب العلل )

الذي نسميه « الرواية رقم ب » فان مواضيع الكتاب مرتبة بطريقة أكثر تنظيما مما في الرواية القديمة . أضف إلى ذلك أن المنقح لم يكتف بادخال عدة فقرات قصيرة هنا وهناك بل أدخل أيضا أقساما كبيرة من « الكتاب في طبيعة الانسان » الذي كتبه الأسقف السرياني نميسيوس الحمصي . وهذا الكتاب هو رسالة في الانتروبولوجيا يرجع تاريخها إلى حوالي سنة 400 ميلادية . والكتاب في طبيعة الانسان أيضا قد ترجم إلى اللغة العربية ما عدا ما جاء عنه في كتاب سر الخليقة ، وربما تم تحقيق هذه الترجمة على يد إسحاق بن حنين ( سنة 215 - 298 هجرية ) . وان المقارنة بين ترجمة اسحق وبين النسخة العربية للكتاب في طبيعة الانسان الموجودة في « الرواية رقم ب » من كتاب سر الخليقة تظهر أن النص الثاني أقدم في مصطلحاته وأسلوبه . وهكذا نستطيع أن نستنتج أنه نشأ في وقت أقدم بكثير من عهد ترجمة اسحق ، وإذا كان الامر كذلك يمكننا أن نفترض أن المؤلف المزعوم الذي أشار اليه الرازي لم يكن مترجم النص بل المنقح الذي كتب « الرواية رقم ب » . وفي ضوء هذه الفرضية نرى ان التنقيح النصي الذي تم انجازه في عصر المأمون يجوز لنا في نفسه قبول أدنى تاريخ ممكن لنشأة الكتاب إلى اللغة العربية أعني سنة 200 للهجرة تقريبا . ان ترجمة كتاب سر الخليقة يتضمن مشكلة أخرى وهي : هل نقل المترجم النسخة الأصلية اليونانية نقلا دقيقا أم أخذ لنفسه الحرية في ادخال بعض التعديلات أو المعلومات الجديدة من قبل نفسه ؟ ان المترجم ساجيوس يدّعي في خاتمة الكتاب أنه أضاف توضيحات من أول النص إلى آخره ، وهذا قول لا نستطيع الآن التأكد من صحته إذ ان الوضع الحالي للكتاب - وهو في الغالب جمع لأفكار وآراء القدماء - يمنعنا من التمكّن من الحكم . هل التناقضات وعدم الانسجام يرجعان إلى المؤلف نفسه الذي كان يستورد مواده من مصادر مختلفة أم إلى المترجم الذي علق على الكتاب من قبل نفسه حينما تعذر عليه فهم الأصل كما يليق ؟ ولكننا فقط في مكان واحد ( في المقدمة اللاهوتية الأولى التي تعالج مسألة الصفات الأربع والعشرين للخالق ) نعلم من النص أن هذه كلها الفها ساجيوس ، ونحن لا نرى ما يشككنا في هذا البيان إذ ان هذا الفصل يشكل تعارضا واضحا مع البحث اللاهوتي التالي الذي يعزى إلى المؤلف بلينوس نفسه .