نشوان بن سعيد الحميري
38
شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم
وضمَّنْتُ كتابي هذا ما سَنحَ من أُصُولِ عِبارَةِ « 1 » الأَحْلام ، المأْخُوذَةِ من الأَمثالِ المَضْروبَةِ في الكَلام ، من كلامِ اللَّهِ تعالى وكلامِ أنْبِيائِه عليهمُ السَّلام ، وما يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ العَوَام . وأَودعْتُه ما لا بُدّ من تَفْسيرِه من عِلْم النجوم ، الذي هوَ أكبرُ دليلٍ على الحَيّ القَيُّوم . وهو العِلْمُ الإِلهي الذي أُنْزِلَ على النبيّ إِدْريس ، المحْروسِ من الغَلَطِ والتّلْبِيس . وهو معجزتُه - عليهِ السّلام - التي كانَ يأخُذُ بها قَوْمَه ، فيخبرُهم بالسّارق ، وخَفِيّ السِّرِّ والعَبْدِ الآبِق ، ويحكُم بهِ بينَ الخُصوم ، ويميّزُ ذا الرَّهَق « 2 » منَ المَعْصوم . ومن عجائِبِه صَلى اللّه عَليه وسلم ومُعْجزاتِه : أنّ رجُلَيْن دخلا عليهِ ، فسألاه عن المَلَكَيْنِ جِبْرِيلَ ومِيكائيل ، أينَ هُما ؟ وأينَ مكانُهما في ذلكَ الحِين ؟ فنظرَ في المسألَةِ ثم قال : « هُما في الأرض » ، فقالا : « في أيِّ الأرضِ ؟ » . فقَسَم الأَرْضَ أَرْباعاً ، ثم قال : « هما في الرُّبْعِ الذي نحنُ فيه » ، ثم قَسَمَ الرُّبْعَ أَرْباعاً ، وكلَّ رُبْعٍ يجدُهما فيه أَرْباعاً ، حتّى انْتَهى إِلى دارِه فوجَدَهما فيها . ثم قَسَم دارَه أرْباعا حتى انتَهى ، فقال : « أنتُما المَسْؤولُ عنهما » ، فقالا : « أَصَبْت يا نبيَّ اللَّه » ، ثم نَظَر إِليهما فلم يَرَهُما . إِلا أَنَّ هذا العلمَ دَقَّ علَى أكثرِ النَّاس . فَخَلَطُوا جَلِيَّه بالالباس « 3 » . فكانت معجزتُه - عليهِ السَّلامُ - من جِنْسٍ ما كان يتنافَسُ فيه قومُه . وكذلكَ مُعْجِزَةُ موسى التي فَلَج بها السَّحَرَةَ المقوِّمين للعِصِيِّ والحِبال ، هي عَصاهُ التي تلقف ما أَتَوْا به من السِّحرِ والمُحال ؛ لأنّهم كانوا يتنافَسُونَ في السِّحر ، ويَعُدُّون معرفَتَه من أَعْظَم الفَخْر .
--> ( 1 ) في اللسان والتاج ( عبر ) : « عَبَرَ الرؤيا يَعْبرُها عَبْرا وعِبارة بالكسر وعبَّرها تعبيراً : فسرها وأخبر بما يؤول إِليه أمرها » . ( 2 ) الرهق : الكذب والجهل . ( 3 ) في ( ت ) و ( ل 2 ) و ( ل 3 ) و ( صن ) : « بالتباس » ، وأثبتنا ما في الأصل ( س ) .