نشوان بن سعيد الحميري

34

شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم

وعِلْمِه إِلا بِمعْرِفَةِ هذه اللّغةِ العَرَبِيّة ، وشواهِدِها التي هيَ غيرُ خَفِيَّة ولا غَبيَّة ؛ وكذلكَ الحَديثُ عنِ الرَسولِ لا يُعرَفُ إِلا بمعرفَةِ هذَا العِلْمِ الجَليل . قد صَنَّف العُلَماء - رحمهُم اللَّهُ تعالى - في ذلكَ كَثيراً من الكُتُب ، وكَشَفوا عنهُ ما سَتَرَ من الحجُب ، واجْتَهدوا في حِرَاسَةِ ما وضعوه ، وضَبْط ما حَفِظوه ، وصنَّفُوا من ذلكَ وجَمَعوه ، ورَوَوْه عنِ الثّقاتِ وسَمِعُوه . فمنهم مَنْ جَعلَ تصنيفَه حارِساً للنَّقْطِ ، وَضَبَطه أشدَّ الضَّبْط ، ومنهم من حَرَس تصنيفَه بالحَركاتِ بأَمْثِلةٍ قَدَّروها وأَوْزانٍ ذكَرُوها . ولم يأتِ أحدٌ منهم بِتَصنِيْفٍ يحرُسُ جميعَ النُّقطِ والحَركات ، ويصِفُ كلَّ حرفٍ مما صنَّفه بجميعِ ما يلْزَمُه من الصّفات ، ولا حرَس تَصْنيفَه منَ النّقَطِ والحركَاتِ إِلا بأَحدِهما ، ولا جَمَعَهما في تأليفٍ لتَبَاعُدِهما . فلَما رأيتُ ذلكَ ورأيتُ تَصْحِيفَ الكُتَّاب والقُرّاء ، وتَغْييرَهُم ما عليهِ كلامُ العَرَب منَ البناء ، حَمَلَني ذلكَ على تَصْنيفٍ يأْمَنُ كاتبُه وقارِئُه من التَّصْحِيف ، يحرُسُ كلَّ كلمةٍ بنَقْطِها وشَكْلِها ، ويجعلها مع جِنْسها وشَكْلِها ، ويردُّها إِلى أَصْلِها . وجَعَلْتُ فيه لكلِّ حَرْفٍ من حُروفِ المعجم كتاباً ، ثم جعَلْتُ لهُ ولكلِّ حرفٍ معَهُ من حُروفِ المعجَم باباً ، ثم جَعَلْتُ كلَّ بابٍ من تلكَ الأَبْوابِ شَطْريْن : أَسْماءً وأفْعالًا ، ثم جعلت لكل كلمةٍ من تلك الأسماء والأفعال وزناً ومثالًا . فحُروفُ المعجمَ تحرُسُ النَّقْطَ وتَحْفَظ الخَطَّ ، والأَمْثلةُ حارِسةٌ للحرَكاتِ والشَّكْل ، ورَادَةٌ كلَّ كلمةٍ من بنائِها إِلى الأَصْل . فكتابي هذا يحرُسُ النَّقْطَ والحرَكاتِ جميعاً ، ويُدْرِكُ الطالِبُ فيه مُلْتَمَسَهُ سَرِيعاً بلا كَدِّ مَطِيَّةٍ غَرِيزيَّة ، ولا إِتْعابِ خَاطرٍ ولا رَوِيَّة ، ولا طَلَبِ شَيْخٍ يقرأُ علَيْه ، ولا مُفيدٍ يَفْتَقِر في ذلكَ إِليه .