مجموعة مؤلفين
50
مجلة فقه أهل البيت ( ع )
مدرك آخر ، وهو الارتكاز والسيرة العقلائية القائمة على الرجوع إلى أهل الخبرة ، ولعلّه من الواضح ثبوت هذا الارتكاز والسيرة في كثير من الموارد على الرجوع إلى أهل الخبرة كالأطباء في الطب وغيرهم رغم العلم الإجمالي بوقوع التعارض بين آرائهم ، بل ولعلّه رغم العلم التفصيلي أيضاً . وهذا بنفسه يكون دليلًا لنا على التخيير إضافة إلى أنّ هذا يؤثّر على ظهور الدليل اللفظي ويصرفه إلى الحجية التخييرية ، وقد مضى أنّ هذا لا يستلزم استعمال اللفظ في معنيين بلحاظ رواية واحدة دلّت على حجية الفتوى وحجية خبر الثقة في وقت واحد ؛ وذلك لأنّ الفرق في شكل الحجية إنّما استفيد على أساس تعدّد الدالّ والمدلول بالقياس إلى الحجية وشكلها ، لا من حاق اللفظ . فإن قلت : لا إشكال في أنّ العقلاء في بعض موارد الرجوع إلى أهل الخبرة وهي الموارد الهامة والحياتية لا يعملون بالتخيير ، فمثلًا من كان ابنه مريضاً مشرفاً على الهلاك وكانت نسخة الطبيب مردّدة بين أن يكون دواء له وأن يكون كما يقوله طبيب آخر مسرعاً في هلاكه لا يكتفي مع الإمكان بقول طبيب واحد ، بل يعمل على عقد لجنة طبية أو على الأخذ بأحوط الطرق أو ما شاكل ذلك من أساليب الاحتياط والتثبّت . وفي باب الشرعيات الأمر أهم من أهم الأمور الحياتية ؛ لأنّ المسألة مسألة الجنة والنار والمولوية وحق الطاعة العقلي ، وهذه الأمور أهم من كلّ شيء ، فكيف يعقل ثبوت ارتكاز عقلائي من مثل ذلك على التخيير في التقليد ؟ ! قلنا : إنّ الجنة والنار وحق الطاعة ونحو ذلك كلّها تكون مترتّبة على الحجية وعدم الحجية ، وليست هي الأمور المؤثّرة في تحديد الحجة وفي ارتكازات باب الحجية ، وإنّما الذي يحسب له الحساب في ذلك هي المصالح والمفاسد الثابتة في متعلّق الأحكام ، وهي في نظر العقلاء كالمصالح الدنيوية التي يركنون فيها