مجموعة مؤلفين
179
مجلة فقه أهل البيت ( ع )
3 - إنّ الأصل عدم النسخ سواء كان بمعناه الاصطلاحي الخاص ، أو بمعناه الواسع ، فعلى مدّعي النسخ أنْ يأتي بدليل محكم ، وإلّا صرف الادّعاء والاحتمال لا يسمن ولا يغني من جوع ، فعلى المدّعي يقع عبء الاثبات ، وإنّما نطالب المدّعي بالدليل باعتبار أنّ دعوى النسخ مخالفة لظاهر الكتاب والخطاب ومغايرة للهدف والمقصود ، وعليه فدعوى النسخ في المقام ليست بحاجة إلى ردّ . 4 - إنّ فكرة النسخ هنا غير صحيحة ؛ وذلك : الإمكان الجمع بين مداليل هذه الآيات وعدم استحكام التنافي بين مضامينها ، ويظهر ذلك من مراجعة البحث في قوله تعالى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ والآراء المطروحة في تفسير الآية ، وبعض النصوص الأخرى . إذ يمكن استفادة وجوه عديدة للجمع بين هذه الآيات ، منها : ما ذكره السائس في غضون بحثه حول قوله تعالى : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فبعد أن فسّره بإعطاء الحليف نصيبه المسمّى له في عقد المحالفة ، قال : « فقد عقلنا من ذلك أنّ لمولى الموالاة نصيباً من الميراث ، وقوله تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ * لم ينسخ هذا الحكم ، إنّما حدث وارث آخر هو أولى من مولى الموالاة ، كحدوث ابن لمن له أخ لم يخرج الأخ عن أن يكون من أهل الميراث إلّا أنّ الابن أولى منه ، وكذلك أولو الأرحام أولى من الحليف ، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له » « 1 » . وقد سبقه إلى ذلك أبو بكر الجصاص حيث قال : « . . . وقال آخرون : ليس بمنسوخ من الأصل ، ولكنّه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة ، فنسخ ميراثهم في حال وجود القرابات ، وهو باقٍ لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي كان عليه » « 2 » .
--> ( 1 ) - تفسير آيات الأحكام ( السائس ) 444 : 1 . ( 2 ) - أحكام القرآن ( الجصاص ) 263 : 2 - 264 .