مجموعة مؤلفين
73
مجلة فقه أهل البيت ( ع )
إمكان النحو الثالث والرابع على درجة عالية من الوضوح ؛ وذلك لأنّ الذمّة بحسب التصوّر الإسلامي عبارة عن الوعاء الاعتباري للأموال الرمزيّة - كما سبق - والدين هو المال المطروح في ذلك الوعاء ، وحينذاك فيمكن تبديل مالك الوعاء وكذلك يمكن تبديل الوعاء نفسه ؛ أي يمكن تبديل الدائن - وهو النحو الثالث - وتبديل المدين - وهو النحو الرابع - ولا يرد عليه أيّ إشكال بناءً على هذا . وأمّا بناءً على تصوّر الفقه الغربي للذمّة والدين فإنّ الدين عنده عبارة عن الالتزام الشخصي من قبل إنسان بأن يدفع إلى غيره مالًا ، وبناءً عليه وقع النحو الثالث والرابع المزبوران مورداً للإشكال الثبوتي في الفقه الغربي ، فلا يرى أنّهما ممكنان ، بل هو يرى أنّ أيّة محاولة لتغيير الدائن أو المدين ترجع إلى إنهاء الدين الأوّل وإنشاء دين آخر ، فيكون مرجعه إلى التنازل غير المجّاني ، فالإشكال ناشئ من ناحية تصوّر فقهاء الرومان للدين ؛ حيث فسّروه بالالتزام الشخصي ، ومن هناك استشكلوا في تغيير الدائن أو المدين بأنّ الالتزام الشخصي لا يمكن انحفاظه في صورة تغيير الملتزِم أو الملتزَم له ، بل مع تغيير أحدهما يتغيّر الالتزام أيضاً ، فلا يبقى الدين أصلًا . وهذا الإشكال غير صحيح بالنسبة إلى ما تصوّره الفقه الإسلامي للذمّة ؛ فإنّه لا يفسّر الدين بالالتزام كي يرد عليه الإشكال ، بل يفسّره بالمال الرمزي المحتفظ في الوعاء الاعتباري المسمّى بالذمّة ، وهذا ينحفظ حتى مع تغيير الدائن أو المدين فإنّ العقلاء لا يرون إشكالًا في تغيير مالك الوعاء أو الوعاء نفسه مع الحفاظ على أصل الدين كما مرّ آنفاً . وأمّا الفقه الغربي فحيث تصوّر الدين وفسّره بالالتزام الشخصي فاستشكل في جواز حوالة الحق - أي تغيير الدائن - وحوالة الدين - أي تغيير المدين - باعتبار أنّ الدين يتغيّر فيهما أيضاً ، ولا يمكن انحفاظه مع تغييرهما ؛ لأنّ الدائن والمدين هما المقوّمان للدين ، فبتغييرهما يتغيّر الدين إلى دين جديد ، وهذا هو معنى التنازل إلى بدل .