السيد محمد باقر الحكيم

176

دور أهل البيت ( ع ) في بناء الجماعة الصالحة

كما أن موضوع البكاء والظهور بمظاهر الحزن والعزاء والألم من القضايا المتميزة في هذه الأيام لدى الأوساط العامة والخاصة من أبناء الجماعة الصالحة . مضافاً إلى ذلك كله نجد موضوع بذل الطعام والشراب بشكل عام في هذا الموسم الشريف وفي هذه الأيام بشكل خاص . ومن هنا نعرف أن الخطوط التي جاء النص فيها - كما ذكرنا في بحث الشعائر الحسينية - تحظى باهتمام خاص في الأيام العشر الأوائل من شهر محرم الحرام . ولكن إلى جانب ذلك نجد ألواناً أخرى من الاهتمامات خصوصاً في الأوساط العامة من اتباع أهل البيت تعبيراً عن الخط الثالث ، وهو الخروج في مواكب ومسيرات تجوب الشوارع للتعبير عن الولاء والحزن ، أو القيام بمراسم ( التمثيل ) و ( التشبيه ) لبعض جوانب المأساة والمصيبة مثل السير إلى كربلاء أو حرق الخيام أو مسيرة الأسرى أو غير ذلك ، أو تمثيل جميع الاحداث التي جرت في يوم العاشر من محرم الحرام . وغير ذلك من النشاطات العامة التي لم يرد فيها نص وإنما اخترعها الناس للتعبير عن عواطفهم وأحاسيسهم ( 1 ) .

--> ( 1 ) ومن المؤسف أن بعض هذه الفعاليات أو غيرها ( كالتطبير ) تجري أحياناً مقترنة بأعمال منافية للذوق العام ، أو غير مشروعة أو تكون بنفسها أو بعض ممارساتها بعيدة عن الأهداف التي استهدفها أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) من وراء هذه الشعائر ; وغالباً ما يقوم بهذا النوع من النشاط ( السوقة ) و ( العامة ) من الناس الذين لا يشاركون في هذه الشعائر إلاّ في مثل هذه الأيام ، ومن ثم فهم يرون أن هذه الأساليب أقرب إلى فهمهم وطريقتهم في التعبير عن العواطف والمشاعر ; ولذا نجد العلماء والمتفقهين والواعين من أبناء الجماعة الصالحة لا يشاركون في هذه النشاطات المنافية ، بل يستنكرونها أحياناً بالبيانات ، أو الكلام ، أو ينكرونها بقلوبهم عندما لا يجدون من يسمع لهم ، أو يخافون الفتنة والاختلاف والنزاع الذي يكون ضرره أحياناً أكبر من وجود هذه المخالفات . كما أن بعض الظروف السياسية التي مرت بهذه الشعائر وتصدي الحكام الطغاة والظلمة للقضاء عليها ، بهدف القضاء على أصل الشعائر كلها ، جعل بعض العامة يتعصبون لها كما يتعصبون للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وبعض العلماء يسكتون أو يأذنون بممارستها حرصاً منهم على استمرار أصل الشعائر ; لأن العامة يمثلون القوة الشعبية التي يمكن أن تقف امام الحكام الطغاة ، أو لأن بعض العلماء يرون أن ممارسة هذا العمل في نفسه لا يوجد دليل على حرمته ، فهو مباح بالأصل وفي ممارسته ( شعاراً ) مصلحة أو دفع مفسدة في مثل هذه الظروف ، أو يرونه أفضل طريق لجمع العامة وجذبهم للاحتفال بذكرى الحسين ( عليه السلام ) . ولكن الموقف الصحيح الذي تبناه المرجع الأعلى في عصره الإمام الحكيم ( رحمه الله ) في أيامه الأخيرة ، وكذلك قائد الثورة الاسلامية في إيران الإمام الخميني ( رحمه الله ) ، وكذلك القرار الذي أصدره من بعده خليفته آية اللّه السيد علي الخامنئي « دام ظله » وموقف جماعة من كبار العلماء ، هو أن مثل هذه الشعائر أصبح ضررها على الجماعة الصالحة أكبر من نفعها ; إذ تشوه صورتها وتقف حائلاً بين أنوار الأئمة وأصالة فهمهم للاسلام وبين جمهور الناس من المسلمين ، مضافاً إلى وجود شبهة ( البدعة ) المحرمة فيها لأنها يؤتى بها أحياناً على أنها عمل عبادي يتقرب به إلى اللّه ، ولم يرد نص شرعي يثبت التعبد بها منه تعالى لا بخصوصها ولا بعنوان عام ينطبق عليها واللّه سبحانه وتعالى أعلم .