الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

190

أنوار الفقاهة ( كتاب النكاح )

وإن شئت قلت : كما أنّ الإيجاد التكويني لا يقبل التعليق ؛ ( كان يقول القائل : أو جدت الضرب أو القتل ، إن كان زيد شارب الخمر أو قاتلا ) . فانّ إيجاد الضرب هو فعله في الخارج ، وهو لا يقبل التعليق ؛ كذلك الايجاد التشريعي والاعتباري في العقود والايقاعات وغيرها ، لا يقبل التعليق . ولذا أشكل الامر عليهم في باب الواجب المشروط ، حيث إنّ الأمر في قوله : إن استطعت فحجّ ؛ أو ، إن جاء زيد أكرمه ، من قبيل الانشاء ، والتعليق في الإنشاء محال . فإنه لا معنى لكون الشيء موجودا على تقدير ومعدوما على تقدير آخر ، بلّ هو امّا موجود أو معدوم . وهذا المعنى هو الذي الجأ شيخنا العلّامة الأنصاري ( قدس سره ) إلى القول برجوع الواجب المشروط إلى الواجب المعلق وهو ما كان القيد في متعلق الإنشاء لا في نفس الإنشاء ، فقوله : إن استطعت فحج ، بمعنى قوله : يجب عليك الحج عند الاستطاعة ، أو الحج مستطيعا . وكذلك قوله : إذا رأيت الهلال فصم ؛ أي يجب عليك الصوم المقيد بكونه بعد رؤية الهلال . وهذا ما يقال من أنّ القيد يرجع إلى المادة لا الهيئة ، أي إلى نفس الحج أو الصوم لا إلى إيجابها وكذلك قوله : إذا دخل الوقت فصلّ ؛ كل هذه الشروط قيود في الواجب لا الوجوب ، لعدم إمكان التعليق في الإنشاء . وإن كان هذا التفسير خلاف الوجدان والمرتكز في الأذهان . ولعلّ هذا أيضا هو الذي الجأ سيدنا الأستاذ الخوئي ( رحمه الله ) إلى القول بان الإنشاء ليس أمرا ايجاديا ، بل هو ابراز ما في الضمير من الإرادة أو الاعتبار النفساني . وفيه اشكال ظاهر ، لأنّ كلّ أحد يرى الفرق بين قولنا : افعل ؛ وقولنا ، أبرز لك ما في ضميري من الإرادة . ( وإلّا احتمل الإنشاء الصدق والكذب ، لأنّه نوع من الحكاية ) وكذلك بين زوجت نفسي لك ؛ وبين أبرز لك ما في ضميري من اعتبار الزوجيّة والبناء عليها . والانصاف ، أنّ التعليق في الإنشاء أمر ممكن لا استحالة فيه ، وما يدعى من الاستحالة شبهة في مقابل الوجدان والبرهان ، وسنكشف النقاب عنها .