الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
18
أنوار الفقاهة ( كتاب النكاح )
يحيى عليه السّلام ، لأنّه كان كالمسيح عليه السّلام كان يتردد دائما من مكان إلى مكان لتبليغ دين اللّه وأداء رسالته إلى خلقه ، فهذا في الواقع من قبيل ما طرأ عليه عنوان الكراهة أو الحرمة لبعض العوارض ، فلا ينافي الاستحباب الذاتي . وثانيا : إن كون كلمة الحصور دائما بمعنى من لا يأتي النساء ، غير ثابت ؛ بل ذكر لها معان أخرى منها ، ما ذكره الشيخ في التبيان « 1 » ذيل الآية الشريفة ، الذي يمتنع أن يخرج مع ندمائه شيئا للنفقة ، ويقال للذي يكتم سرّه ، الحصور . وقال في المجمع « 2 » بعد تفسيرها بالذي لا يأتي النساء ، ومعناه أنّه يحصر نفسه عن الشهوات ، أي يمنعها . وقيل : الحصور ، الذي لا يدخل في اللعب والأباطيل ، وقيل : هو العنين ، وهذا لا يجوز على الأنبياء لأنّه عيب . فقد ظهر مما ذكرنا أنّ لها لا أقل من ستّ معان ( العنين - الذي لا يأتي النساء - الذي يمتنع أن يخرج مع ندمائه شيئا للنفقة - الذي يحصر نفسه عن الشهوات - الذي يكتم سرّه - الذي لا يدخل في اللعب والأباطيل ) . والمعاني الثلاثة الأولى ، لا تناسب مقام النبوة والمدح ، بناء على كون النكاح أمرا مطلوبا ، ولكن المعاني الثلاثة الأخيرة تناسبها . هذا ؛ والمعروف في معناها ، هو من لا يأتي النساء . وثالثا : أنّ المدح لعله على المنكشف لا الكاشف ، أي سلطته على نفسه ومنعها عن طغيان شهواتها . ورابعا : ثبوت ذلك في شرعهم ، ليس دليلا على ثوبته في شرعنا ، بعد قيام الأدلة الكثيرة على استحباب النكاح مطلقا في هذه الشريعة الغرّاء . إن قلت : نتمسك باستصحاب الشرائع السابقة . قلنا : الاستصحاب انما هو في فرض الشك ، ونحن لا نشك في استحبابه في شرعنا ، أضف إلى ذلك أنّ استصحاب الشرائع السابقة باطل عندنا ، لما ذكرنا في المباحث الأصولية من أنّ ، الشريعة إذا نسخت نسخت بجميع أحكامه ؛ ولذا كان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله
--> ( 1 ) . الشيخ الطوسي ، في التبيان 2 / 452 . ( 2 ) . الشيخ الطبرسي ، في مجمع البيان 2 / 287 .