الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
111
أنوار الفقاهة ( كتاب النكاح )
وأمّا الجواز ، فلقوله تعالى في آية الاستيذان : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ ، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ ، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ، ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ . . . . « 1 » دلت على وجوب الاستيذان في خصوص هذه الأوقات الثلاثة ؛ وأمّا في غيرها ، فلا يجب على غير البالغ الاستيذان ، سواء كان محرما أو غير محرم . لا يقال : الآية ناظرة إلى المحارم ؛ لأنا نقول : بل الظاهر أنّها عامّة ، فان ابن العم وابنته ، وكذا ابنة الخال وابنه وأمثالهم ، يطوفون بعضهم على بعض إذا كانوا صغارا ، فالآية شاملة للمحرم وغيره . أمّا الاستيذان في المواقع الثلاثة ، لأنّها مظنة الأعمال الجنسية أو شبهها ، فقد أمروا فيها بالاستيذان ، وهذا من أوضح الدليل على أنّه لا يمكن حمل الآية على غير المميز . والآية التالية لها ، تدل على وجوب استيذان البالغين ، في كلّ حال وفي جميع الأوقات . قال تعالى : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ، فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . . « 2 » وهو دليل على أنّ الحكم ليس مقصورا على المحارم ، بل لعله ظاهر في خصوص غير المحارم . فتلخص من جميع ذلك ، أنّ مفهوم الآية الأولى عدم جواز ابداء الزّينة للمميزين غير البالغين ؛ ومنطوق الآية الثانية دليل على جواز الورود من غير اذن لهم ، الملازم لكشف رؤوسهن أو بعض أبدانهن غالبا ، وحيث لا يمكن المعارضة بين آيتين ، لأنّ الإسناد قطعيّة والتقيّة ليست فيها ، فلا مناص إلّا من الجمع العرفي الدلالى بينهما ، امّا بحمل الأولى على موارد ثوران الشهوة وحمل الثانية على موارد عدمه ، ( ولعل التفصيل الذي ذكره جماعة من الأصحاب ناظر إليه ) . لكنه جمع دلالي لا شاهد له ويسمّى تبرّعيا . اللّهم إلّا أن يقال معنى قوله تعالى « لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ » ، بمعنى ثوران الشهوة . أو يقال أنّ الامر بالاستيذان في تلك الأوقات ، لا يقتضى جواز النظر ، ( كما ذكر ، في المسالك ) . ولكن
--> ( 1 ) . النور / 58 . ( 2 ) . النور / 59 .