الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
468
أنوار الفقاهة ( كتاب الحدود والتعزيرات )
والمنافقين خارج عن بحث القضاء ، ولا يمكن أن يقاس أحدهما بالآخر . وثالثا لو سلّمنا فلعلّ عدم حجّية العلم في هذه الموارد لما فيه من الحرج الشديد والعسر الأكيد ، فلم يره الشارع المقدّس حجّة ولا يوجب ذلك التعدّى إلى جميع موارد وأقسام علم القاضي . وبالجملة المسألة أوضح من أن يستدلّ لها بهذه الأمور . فظهر من جميع ما ذكرنا بعون اللّه تعالى وتأييده أنّ الحقّ في المسألة التفصيل بين أقسام العلم وأنّ علم القاضي حجّة في بعض الموارد دون بعض ، فهو حجّة في خصوص ما يكون مستندا إلى الحسّ أو ما يقرب منه ، دون ما إذا حصل من أسباب حدسية . وقد عثرت في ختام هذا البحث على كلام للفقيه الماهر صاحب الجواهر - قدس سره - كأنّه يشير إشارة لطيفة وجيزة إلى التفصيل الذي اخترناه في المسألة ، قال : ثمّ إن الظاهر إرادة الأعم من اليقين والاعتقاد القاطع ولو من تكثير امارت من العلم ، لكون الجميع من الحكم بالحقّ والعدل والقسط عنده ولغير ذلك ممّا سمعته من أدلّة المسألة . وإن كان هذه الفرد من العلم ممّا يمكن فيه البحث نحو ما ذكروه في الشاهد وليت المانع اقتصر عليه . « 1 » ومراده من الاعتقاد القاطع هو ما دون اليقين الحسىّ من العلم النظري الحاصل من تراكم الظنون وشبهها المنتهى إلى العلم ، وهو الذي اخترنا عدم الدليل على حجّيته ، وإنّ ما أفاده غير كاف لإثباته . وقوله : « ليت المانع اقتصر عليه » إشارة إلى أنّه لو كان المانع عن حجّية علم القاضي يقتصر على نفى حجّية العلم الحاصل من المبادئ النظرية الحدسيّة لكان لقوله وجه يعتدّ به ، ولكنّه أنكر حجّية جميع أنحائه فوقع في الخطاء ، وكلامه موافق إجمالا لما اخترناه في المقام .
--> ( 1 ) - جواهر الكلام ، المجلد 40 ، الصفحة 92 .