الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
461
أنوار الفقاهة ( كتاب الحدود والتعزيرات )
فحكم لها من غير بيّنة ولا اقرار لعلمه بصدقها . ولكنّ الإنصاف أنّها أجنبيّة عن باب القضاء فهي من قبيل الفتوى بالمقاصّة وأخذ الحقّ من دون إقامة الدعوى ، فلذا لم يحضر أبا سفيان ولم يسأله ولم يقم بسائر ما يعتبر في باب القضاء مع أنّها أمور لازمة واجبة فيه . إلى هنا تمّ الكلام في ما استدلّ أو يمكن الاستدلال به على حجيّة علم القاضي ممّا وجدناه في طيّات كتب الحديث وسنتكلّم إن شاء اللّه فيما يستفاد من مجموعها . * * * نتيجة الكلام في مسألة حجيّة علم القاضي الذي يتحصّل من جميع ما ذكرناه من الادلّة ، ومن ضمّ الأحاديث المتضافرة بعضها إلى بعض ، وجبر ضعف بعضها بقوة بعض ، اعتبار علم القاضي إجمالا من دون اختصاصه بالامام المعصوم عليه السّلام ، ولكن القدر المتيقّن منها اعتبار العلم الحاصل من « المبادئ الحسيّة » أو « القريبة من الحسّ » . والمراد منها ملاحظة القرائن الحسيّة التي تدلّ على المقصود ، دلالة يقبلها كلّ من رآها ، أو جلّ من رآها ، لابتنائها على مقدمات حسيّة . فمثل نزاع المرأتين في الولد ، وطلبه عليه السّلام المنشار ، ورقّة الأمّ إلى آخرها وكذا قضية نزاع المولى والعبد والأمر بضرب عنق العبد وما أشبه ذلك ، كلّها من هذا القبيل ، ولذا يحصل العلم منها لكلّ من رأى هذه المقدّمات . أمّا لو حصل العلم من مقدّمات ظنّية حدسيّة ، وحصل من تراكم هذه الظنون علم حدسيّ ، كما هو المعمول به في بعض القوانين الموجودة في عصرنا ، يشكل الحكم به ، لعدم الدليل على حجيّة مثل هذا العلم في باب القضاء ، وقد عرفت أنّ الأصل في المقام ، عدم حجيّة قضاء أحد على أحد إلّا ما ثبت بالدليل . وممّا يؤيد عدم اعتبار القسم الأخير أنّه لو كان حجّة كان مظنة لانحراف القضاة