الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
253
أنوار الفقاهة ( كتاب الحدود والتعزيرات )
قلنا : هذه الرواية مخالفة لذلك فإنه أولا ورد في عدم جريان الحد في حق الغريب إذا ظهرت التوبة منه ، وفي الحقيقة هي واردة في التوبة وظهورها بعد مضى مدة ولذا إذا كان رجلا غريبا يختبر حاله بمضي خمسة اشهر أو أقلّ وثانيا وقع التصريح فيه بخمسة أشهر ولازمه انه لو كان بعد خمسة اشهر ولم يظهر منه شيء لا يقبل منه لا إذا كان بعد ستة اشهر كما في الرواية المجهولة فان مفهوم خمسة اشهر ما زاد عليه ولو بيوم لا ما كان ستة اشهر . ثانيهما : ان التأخير مظنة للريبة كما قال في الفقه على المذاهب الأربعة عند نقل كلام الحنفية ان الشاهد مخير بين حسبتين : إحداهما أداء الشهادة وثانيهما السّتر على المسلم ، فالتأخير لأداء الشهادة لاختيار السّتر ، فالاقدام على الأداء بعد ذلك لوجود ضغينة هيجتهم أو لعداوة حركتهم بعد السكوت . . . اما إذا كان التأخير لغير سبب يصير الشاهد فاسقا فترد شهادته . « 1 » أقول : هذا دليل ضعيف لان التأخير قد يكون لموانع أخرى كما إذا كانت الفتنة قائمة لم تخمد ، أو لم يكن القاضي العادل حاضرا ، أو لم يجد الشاهد الواحد مقدار النصاب حتى يشهد ، أو غير ذلك من أسباب التأخير . أضف إلى ذلك ان التخيير بين الحسبتين امر غير ثابت فقد عرفت ان وجوب أداء الشهادة ولو من غير دعوة في حقوق اللّه ( وهو المسمى بالتبرع بالشهادة ) غير ثابت فهو امر جائز لا يكون تأخيره سببا للفسق . فالحق عدم الفرق في المسألة وقد استدل بعضهم للعموم بقول علي عليه السّلام : اللهم ان امكنتنى من المغيرة لا رمينه بالحجارة ( 14 / 10 من أبواب حد الزّنا ) ولكنه أجنبي عما نحن فيه فإنه ناظر إلى اجراء الحد بعد ثبوته لا إلى إقامة الشهادة واللّه العالم . * * *
--> ( 1 ) - الفقه على المذاهب الأربعة ، المجلد 5 ، الصفحة 72 .