الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

45

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

خصوص وثوق الراوي نظرا إلى ما أرجع فيه إلى الثقات ، مدفوع ببناء العقلاء الذي هو الأصل في المسألة كما لا يخفى على من راجعهم ، وتفصيل الكلام في محلّه . أمّا الصغرى فهي مفاد مرفوعة الواسطي وليس ممّا لم يفت به المشهور ، فإنّ تحريم السبعة معروف ومشهور بينهم . وأمّا الإشكال على دلالة الرواية بما أفاده العلّامة الأنصاري قدّس سرّه « 1 » وتبعه غيره ، بأنّ الظاهر حرمة البيع للأكل ، ولا شكّ في تحريمه ، من حيث أنّ قصد المنفعة المحرّمة موجب لحرمة البيع بل بطلانه ، فيمكن الجواب عنه أوّلا : بأنّ القصد المذكور كما عرفت لا يوجب فساد البيع ، وثانيا : قد لا يكون هذا القصد موجودا ، بل يشتريه لمنافع اخر . ومن طريق العامّة ما رواه البيهقي في سننه ، عن عون بن جحيفة قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن ثمن الدم « 2 » ، ولكن الكلام في سند الحديث . والمهمّ في المقام أمر آخر ، وهو أنّ الدم في سابق الأزمنة لم تكن له منفعة محلّلة معتدّ بها ، وكانت عمدة منافعه الأكل المحرّم ، إمّا الصبغ أو التسميد الذي أشير إليه في كلمات غير واحد ، فالظاهر أنّهما كانا من المنافع النادرة ، فالحكم بتحريم بيعه يوافق القواعد والروايات ناظرة إليه . أمّا في زماننا هذا فقد تغيّر هذا الموضوع ، حيث يوجد في دم الإنسان منفعة عظيمة لإنقاذ الجرحى والمرضى الذين يحتاجون إلى الدم النقي ، وهذه منفعة معتدّ بها ، فهل يمكن الحكم بتحريم بيعه بحسب الأدلّة التي مرّت عليك ؟ الظاهر عدمه ، لأنّ رواية الواسطي وشبهها ناظرة إلى الدماء التي لم تكن لها منفعة غير الأكل المحرّم ، وأمّا القواعد فقد عرفت دلالتها على الجواز في مثل هذا ، وحال الإجماع أيضا معلوم ، والنجاسة لا موضوعية لها . ثمّ أنّه يبقى الكلام في الدم الطاهر المتخلّف في الذبيحة الذي يحرم أكله ، والظاهر حرمة بيعه أيضا لما عرفت من عدم المنفعة المحلّلة ، ولكن المقدار القليل منه المتعارف وجوده في اللحم لا يضرّ شيئا ، بل لو استهلك في الطعام جاز أكله أيضا .

--> ( 1 ) . المكاسب المحرّمة ، ص 4 . ( 2 ) . سنن البيهقي ، ج 6 ، ص 6 .