الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
418
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
تشريع كثير من الأحكام ويتوقّف عليه جميع أغراض الشارع المقدّس ، وكيف يمكن إنكاره مع أنّ كثيرا من قوانين الشرع إنّما شرّعت لحفظه كما صرّح به في روايات بيان علل الشرائع والأحكام . 4 - الالتزام بالإشكال أيضا بعيد في مورد عدم قيام من به الكفاية ، لظهور الإجماع ولقيام السيرة القطعية عليه ، وكم من صناعات وحرف لا نجد من به الكفاية لها في البلد مع أخذ الأجرة عليها قديما وحديثا كالطب وأشباهه حتّى في عصرنا هذا . 5 - وأسوأ من الجميع التفرقة بين المعنى المصدري واسم المصدري ، لأنّ نظام المجتمع إنّما يتوقّف على الحاصل من هذه الصناعات كالبناء والحياكة والطب ، مضافا إلى أنّ الوحدة الخارجية بينهما كما اعترف به يمنع عن حرمة أحدهما وجواز الآخر ، والاختلاف الاعتباري غير كاف في متعلّقي الأمر والنهي قطعا ، وفي الحقيقة هذه تدقيقات ليس لها وزنا في موازين العقلاء وأهل العرف ، وأشبه شيء بالتلاعب بالألفاظ . والذي ينبغي أن يقال أنّ العمدة من بينها هو ما مرّ من مسألة لزوم نقض الغرض ، أو كون الوجوب مشروطا من أوّل الأمر بأخذ العوض ، حذرا من اختلال النظام . والحاصل ، إنّ ملاك الحكم هنا معلوم ، ولا يحصل إلّا بأخذ العوض ، لعدم وجود محرّك آخر بالنسبة إلى هذه المشاغل غالبا إلّا أخذ الأجرة . وهنا طريق آخر أحسن من هذا الوجه من بعض الجهات ، وهو أنّ هذه الصناعات والعلوم ليست ممّا يحتفظ به النظام ، بل الحافظ له هو التعاون في الحياة الاجتماعية . توضيحه ، إنّ في طبيعة الإنسان غريزة الاجتماع ، والظاهر أنّها ناشئة عن أمور : منها كثرة حوائج الإنسان بالنسبة إلى غيره من الحيوانات . ومنها ميله إلى التنوّع ، وشوقه إلى التكامل والرقي في جميع الأمور ، وذلك ناشئ عن قوّة إدراكه ، وتنوّع أمياله وغرائزه وفطرياته ، فلذا تتكثّر الصنائع والعلوم دائما وتحتاج إلى التخصص في شتّى نواحيها ، ثمّ يريد كلّ إنسان أن ينتفع بما في أيدي الآخرين ، ولا يمكن ذلك إلّا بالتعاون ، وأداء شيء ممّا يحسنه للوصول إلى ما يحسنه غيره ، فالحافظ لنظام المجتمع هو هذا الأمر ، لا مجرّد فعل هذه الصنائع ، فعلى كلّ واحد الاشتغال ببعض ما يحتاج