الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
405
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
وأمّا من كتاب اللّه فلقوله تعالى : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ « 1 » بناء على شمول « الهمز » و « اللمز » لكلّ طعن وإيراد عيب ، وقد يفرّق بينهما بأنّ « الهمز » هو ذكر العيب بظهر ، واللمز في وجهك . أو إنّ الأوّل ذكره بلفظك ، والثاني بإشارتك وحركاتك . ولكن الإنصاف أنّ بين عنوان الهجاء والعنوانين المذكورين عموما من وجه ، لأنّ الهجو قد يكون بإنشاء جملة ، وأخرى بحكاية عيب ، والأوّل كأن يقول وجهك وجه الحمار ورأسك رأس البقر ! أو يقول يا أيّها الفسقة الفجرة قوموا واستقبلوا هذا الرجل ، أو يا أرض ابلعيه ويا سماء اقلعيه أو غير ذلك ، والثاني بحكاية عيوبه الجليّة أو الخفيّة بقصد الذمّ ، ولعلّ الأوّل أي ما كان بصورة الإنشاء غير داخل في العنوانين . ومنه يعلم حال قوله تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً . . . وكذا قوله أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً « 2 » . اللهمّ إلّا أن يقال إنّ أكل اللحم كناية عن إسقاط ماء الوجه ، وهو حاصل هنا . أمّا من السنّة ، فبالروايات الكثيرة غاية الكثرة ، بل لا يبعد تواترها الدالّة على حرمة إيذاء المؤمن « 3 » . وما دلّ على حرمة إهانته « 4 » . وما دلّ على تحريم إذلاله واحتقاره « 5 » . وما دلّ على تحريم الاستخفاف به « 6 » . وما دلّ على تحريم تعييره وتأنيبه « 7 » . ولا ينبغي الشكّ بعد ذلك كلّه في حرمة الهجاء .
--> ( 1 ) . سورة الهمزة ، الآية 1 . ( 2 ) . سورة الحجرات ، الآية 12 . ( 3 ) . راجع الوسائل ، ج 8 ، ص 587 ، الباب 145 ، من أبواب أحكام العشرة . ( 4 ) . المصدر السابق ، ص 588 ، الباب 146 . ( 5 ) . المصدر السابق ، ص 590 ، الباب 147 . ( 6 ) . المصدر السابق ، ص 592 ، الباب 148 . ( 7 ) . المصدر السابق ، ص 596 ، الباب 151 .