الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
338
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
المقام الأوّل : في معنى الكهانة فالذي يظهر من كتب اللغة ولا سيّما لسان العرب أنّ « الكاهن » هو الذي يخبر عن الغائبات ، ويتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ، ويدّعي معرفة الأسرار ، وقد كان في العرب كهنة ، كشقّ وسطيح وغيرهما ، وقد كانت الكهنة يروّجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين ، ويستميلون بها القلوب ، ويستصغون إليها الأسماع ( ولذا كان ينسب من يكون له كلام موزون وفصيح إلى الكهانة ، ولعلّ نسبة الكهانة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان من هذا الباب وقد نسب بعض المعاندين إلى الإمام علي عليه السّلام ذلك ، لما في كلامه عليه السّلام من السجع البليغ ) . وقد كانت العرب تسمّى كلّ من يتعاطى علما دقيقا كاهنا ، ومنهم من كان يسمّى المنجّم والطبيب كاهنا « 1 » . وكذا يظهر منهم انّهم كانوا مختلفين : « فمنهم من كان يزعم أنّ له رأيا ( صاحب رأي ) من الجنّ يلقى إليه الأخبار عن الغائبات ، والأمور المستقبلة ، ومنهم يزعم أنّه يعرف الأمور بمقدّمات وأسباب يستدلّ بها على مواقعها ، من كلام من يسأله ، أو فعله ، أو حاله ، وهذا يخصّونه باسم « العرّاف » . . . » « 2 » . والذي يستفاد من مجموع كلمات أرباب اللغة أنّ الكهانة هي الإخبار عن الأمور المستقبلة أو الغائبات الموجودة ، بطرق غير متعارفة من الاتّصال بالجنّ وغيره ، فلو أخبر إنسان بأمر غائب أو مستقبل من تجربة جرّبها أو شبه ذلك ، فليس من الكهانة ظاهرا . وقد يقال إنّ الشياطين ومردة الجنّ كانوا يسترقّون السمع قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فيخبرون أوليائهم من الإنس عن أخبار السماوات ، ولكن منعوا منه بعد ذلك ، فلم يبق لهم غير ما يخبرونه من أخبار الأرض . هذا ، ولكن الظاهر من آيات سورة الحجر انّهم كانوا ممنوعين منها في كلّ زمان وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ
--> ( 1 ) . راجع لسان العرب مادّة كهنة . ( 2 ) . المصدر السابق .