الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

323

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

وما يحكى عن سعيد بن جبير قال في جواب الحجّاج : ما تقول في حقّي ؟ قال : « أنت قاسط عادل » ففرح الحاضرون ، ولكن فهم الحجّاج المعنى ، وقال : أمّا القاسط فإشارة إلى قوله تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً « 1 » ( والقسط ممّا له معنيان متضادّان ) وأمّا العادل فهو إشارة إلى قوله تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ « 2 » ( بمعنى جعل العدل والشريك له ) فحكم بظلمي وكفري ! إلى غير ذلك في أشباهها . وقد يمثّل له بقول القائل في مقام الإنكار « علم اللّه ما قلته » يريد ما الموصولة والسامع يحسبه ما النافية . ولكن الإنصاف أنّ التلفّظ بهما مختلف في النطق كما لا يخفى على الخبير ، نعم في الكتابة متوافقان . وعلى كلّ حال ، فقد وقع الخلاف في حكمه ، ويظهر من كثير منهم خروج التورية عن الكذب ، بل ذكر بعضهم أنّه لا شبهة فيه . ولكن عن المحقّق القمّي قدّس سرّه أنّه داخل في الكذب ، والعلّة في ذلك هو الخلاف في حقيقة الصدق والكذب ، فان قلنا إنّ المعتبر في اتّصاف الخبر بالصدق والكذب هو مطابقة ما قصده المتكلّم للواقع وعدمها ، فهو ليس من الكذب ، لأنّه قصد معناه الواقعي وان قلنا إنّ المعيار هو مطابقة ظاهره للواقع فهو كذب ( ولا دخل له بالنزاع المشهور من أنّ المعيار مطابقته للواقع أو لاعتقاد المتكلّم ) . وما حكي عن أكثر الأصحاب في باب المسوغات أنّه إنّما يسوغ الكذب إذا لم يقدر على التورية ، وإنّها ليست كذبا لا يخلو عن إشكال . أقول : الحقّ أنّ التورية على قسمين : فتارة يكون الكلام بظاهره قابلا لاستعماله في كلّ منهما كما في اللفظ المشترك ، وكما في مرجع الضمير المستعمل في الكلام في الأمثلة المتقدّمة ، فانّ الرجوع إلى كلّ ما ذكر في الكلام جائز ، وان كان الأقرب أولى ، ولكن ليس لازما ، وكما في لفظ « هنا » الذي يقوله

--> ( 1 ) . سورة الجنّ ، الآية 15 . ( 2 ) . سورة الأنعام ، الآية 1 .