الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

219

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

والظاهر أنّ كلّ قول يقصد به التحقير والإهانة وتنقيص الغير هو سبّ ، وقد ورد في روايات أبواب التعزيرات أنّ السبّ بغير قذف ، عليه تعزير « 1 » ، وذكر كثير من مصاديقه في روايات أخرى من هذا الباب ، مثل قول الرجل لغيره : أنت خبيث أو خنزير « 2 » وابن المجنون « 3 » ويا فاسق « 4 » يا شارب الخمر يا آكل الخنزير « 5 » . ويدخل فيه كلّما يوجب منقصة في النفس والأخلاق والدين والعرض والأهل ، بل المال والبدن ، إذا كان فيه إهانة وتحقير ، كأن يقول « وجهك وجه الخنزير » و « مالك مال السرقة والقمار » ولو نوقش في دخول بعض ذلك في مفهوم اللفظ ، فلا شكّ أنّه داخل في الحكم ، بل قد عرفت أنّ ثلاثة من الأدلّة الأربعة هنا لا تدور مدار عنوان السبّ ، بل الزور أو الظلم أو غير ذلك ممّا هو أهمّ قطعا . وهل يلزم مخاطبة الشخص المسبوب بذلك ؟ الظاهر عدمه ، لعدم اعتباره لا في مفهوم اللفظ ، ولا في ملاك الحكم ، بل كان كثير من المجرمين في الصدر الأوّل يسبّون المؤمنين على ظهر الغيب ، بل وبعد موت المعنيّ بالسبّ ، فلا يعتبر فيه التخاطب أصلا . وهل يعتبر أن يكون السبّ بقصد الإنشاء ؟ كما عن المحقّق الإيرواني قدّس سرّه ، ولذا ذكر أنّ النسبة بينه وبين الغيبة هي التباين ، لأنّها إخبار ، وهذا إنشاء ، أو يعمّ الخبر والإنشاء ؟ الظاهر هو الثاني ، لعدم ذكر هذا القيد فيما عرفت من كتب اللغة ، بل ولا متفاهم العرف ، وان كان أكثر أفراده بالإنشاء أو بالنداء ، والأمر سهل بعد عموم الملاك . المقام الثالث : في موارد الاستثناء من هذا الحكم ، وقد استثنى منه أمور : 1 - المتظاهر بالفسق ، لأنّه لا حرمة له . 2 - أهل البدع ، ويدلّ عليه ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم « إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي ، فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبّهم . . . » الحديث « 6 » .

--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 18 ، ص 452 ، الباب 19 ، من أبواب حدّ القذف ، ح 1 ، رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه . ( 2 ) . المصدر السابق ، ح 2 . ( 3 ) . المصدر السابق ، ح 3 . ( 4 ) . المصدر السابق ، ص 453 ، ح 4 . ( 5 ) . المصدر السابق ، ص 454 ، ح 10 . ( 6 ) . وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 508 ، الباب 39 ، من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ح 1 .