الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
137
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
عوامل سياسية ، ولكنّه غفل عن أنّه تابع للطلب النوعي لا الشخصي ، كما في المنافع النادرة . نعم لا يعدّ بذل المال في مقابل هذه الأمور من قبيل السفاهة إذا كان هناك غرض شخصي قائم به ، كما إذا كانت هناك قطعة ثوب خلق بقيت من أجداده ، فالبيع وأشباهه يدور مدار المالية بحسب العرف والعقلاء الذي أمضاه الشرع ، وأمّا السفاهة وشبهها فتدور مدار الأغراض الشخصية . والفرق بينهما أنّ الأوّل من الاعتبارات العقلائية التي تدور مدار النوع عندهم ، والثاني أمر تكويني أو شبه تكويني يدور مدار رغبات الأشخاص ، فمن احتاج إلى حشرة خاصّة مثلا لنجاة مريضه من الموت فبذل بإزائها آلافا لا يعدّ سفيها ، ولكن ليس لبيعه هذا قيمة عند العقلاء إذا لم تكن تلك المنفعة غالبة ، كما أنّه لا يعدّ مالا ، ولو أتلفه متلف لا يضمنه ، وإن أثم بفعله ذلك ، وأضرّ بأخيه ، ومنعه من حقّ اختصاصه به ، فما يظهر من بعض الأعلام في مكاسبه من دوران الأمر مدار خروج المعاملة عن السفه كما ترى . 3 - أنّه من قبيل أكل المال بالباطل ، وأي باطل عند أهل العرف أوضح من هذا . ولكن قد يورد عليه بأنّ الآية الشريفة ناظرة إلى أسباب الملك ، لا شرائط العوضين . وبعبارة أخرى : أنّها ناظرة إلى ما كان من قبيل رضى المتعاملين في مقابل القهر والغصب والرشوة والغشّ وغيرها من طرق السيطرة على مال الغير بالباطل ، ويؤيّده قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 1 » لمكان « الباء » في قوله « بالباطل » . وفيه : إنّ كون هذه الأمور من الباطل ممّا لا ريب فيه ، ولكن لا دليل هنا على الحصر فيها ، وآية سورة البقرة لا تنفي ما سواها ، وكون الباء للسببية أيضا غير مانع من العموم ، فمن أكل مال الغير في مقابل الخمر وآلات القمار فقد أكل بسبب باطل ، وكذلك في مقابل الحشرات والأشياء التي لا مالية لها عند العقلاء ، فتأمّل . وبالجملة المسألة عقلائية قبل أن تكون شرعية ، وإنّما أمضاها الشرع ، وحيث أنّها باطلة عند العقلاء من أهل العرف ، فهي باطلة شرعا ومنهي عنها .
--> ( 1 ) . سورة البقرة : الآية 188 .