الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

7

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

ولذلك فانّ مهمّة المجتهدين والفقهاء لا تدخل في دائرة تشريع الأحكام ، ووضع القوانين ، وإنّما وظيفتهم هي استنباط أحكام المسائل المستحدثة عن مداركها الدينية واستخراجها من منابعها الشرعية ، فلا ترى موضوعا من الموضوعات ممّا لا نصّ فيه حتى تصل النوبة إلى الاجتهاد بمعناه الخاص ( أي تشريع حكم فيه بالقياس أو الاستحسان أو غيرهما ) بل كلّها واردة في النصوص الخاصة أو الأدلة العامّة والقوانين الكليّة . 4 - ممّا يلفت النظر في الفقه في بدء الأمر أنّ المجتمعات البشرية تتبدل وتتحول كلّ يوم ، إلّا أنّ أصول الأحكام الإسلامية ثابتة ولا تتغيّر ، وحلال محمّد صلّى اللّه عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، ومع ذلك تنطبق هذه الأصول الثابتة الخالدة على تلك الحاجات المتغيرّة دائما ! وليس ذلك إلّا من جهة عموم تلك الأصول وشمولها وجامعيتها ، كيف وقد صدرت من ناحية الخالق الحكيم العالم بعواقب الأمور ، الخبير بحاجات نوع الإنسان على الأيّام والدهور ، كما هو الحال في القوانين الطبيعة الإلهية الثابتة طيلة آلاف ، بل ملايين سنة ولكن الإنسان مع ذلك يوافق نفسه في حياته المتغيّرة في كل عصر وزمان مع تلك القوانين الثابتة . 5 - إنّ فقهاءنا الأعلام ( قدّس اللّه أسرارهم ) وإن ألّفوا مئات بل آلاف الكتب في جميع أبواب الفقه ، من الطهارة إلى الديات ، ومن العبادات إلى المعاملات إلّا أنّ ذلك لا يعني بلوغ الفقه إلى غايته ، ووصوله إلى نهايته ، وعدم الحاجة إلى تأليف جديد في هذا العلم ، فكم ترك الأول لآخر ، وكم بلغ المتأخر إلى ما لم يصل إليه المتقدم ، ولكلّ إنسان حظّه من العلم والحكمة ، فإنّ العلم ليس مقصورا على قوم خاص ، فلا يغرنّك وسوسة بعض القاصرين في ترك الجد والاجتهاد في كلّ مسألة من مسائله ، حتى ما يعدّ من الواضحات المشهورات ، فقد يستخرج بالغوص في هذه البحار من الجواهر الثمينة والدرر القيمة ما لم يستخرجه الأوائل ! وعلى هذه الفكرة وبهذه الأمنية بدأنا في هذا الكتاب - أعني كتاب البيع من أنوار