الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

56

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

على التأويل الآخر ، ثم قال : معنى ذلك أنّ يجعل اللمس بشيء ، والنبذ له ، وإلقاء الحصاة ، بيعا موجبا ، انتهى . أقول : فقد لا حظت بعض كلماتهم في معنى هذه البيوع وهي لا تخلو عن إجمال وإبهام ، فإن كان النهي عن هذه البيوع لمجرّد كون الإيجاب باللمس والنبذ وإلقاء الحصاة ، كان دليلا أو مؤيدا لهذا القول بلا إشكال ، ولكن الذي يظهر بالتأمل فيما روى في هذا المعنى في الأحاديث وتفسيرها ، أنّ النهي عنها كان للجهل والغرر لا غير ، فحينئذ لا تدل على المطلوب أصلا . ففي سنن البيهقي عن أبي هريرة : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نهى عن بيع الغرر وعن بيع الحصاة » « 1 » . فإن عطفهما في كلام واحد دليل على ما ذكرنا . وفيه أيضا عن أبي سعيد الخدري عنه صلّى اللّه عليه وآله : « أنّه نهى عن لبستين وبيعتين ، نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع ، والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو النهار لا يقلّبه إلّا ذلك ، والمنابذة أن ينبذ الرجل ثوبه وينبذ الآخر ثوبه ، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض » الحديث ، ثم فسّر البيتين « 2 » . إلى غير ذلك ممّا ورد في هذا المعنى . وبالجملة لا دلالة لهذا النهي على المنع عن بيع المعاطاة ، ولا أقل من ابهامه وأنّه بسبب الغرر ، وهو كاف في عدم دلالته . وتلخص من جميع ما ذكرنا أنّ بيع المعاطاة موجب للملك ، ويترتب عليه جميع أحكام النقل والانتقال ، بل يظهر ممّا ذكرنا « كونه بيعا لازما » لأنّه مقتضى جريان سيرة العقلاء ، وأهل الشرع ، مضافا إلى ظهور قوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في ذلك ، بعد كونه عقدا ، وكذلك غيره ممّا استدل به على أصالة اللزوم في المعاملات ، مثل قوله صلّى اللّه عليه وآله : « الناس مسلطون على أموالهم » وأنّه « لا يحلّ مال امرئ إلّا عن طيب نفسه » إلى غير ذلك .

--> ( 1 ) . السنن الكبرى للبيهقي ، ج 5 ، ص 343 . ( 2 ) . المصدر السابق ، ص 341 .