الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

411

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

بالغين مرتبة الاجتهاد في كثير من الأوقات . وبما يظهر من رواية أبي خديجة لظهور قوله « يعلم شيئا من قضايانا » في الأعم من المجتهد المطلق « 1 » . وتحقيق الكلام في ذلك موكول إلى محله ولكن الذي يجب التصريح به هنا أن معنى جواز التصدي لهذا المقام لغير المجتهد ليس معناه جوازه لكل مقلد ، بل اللازم العلم بجميع المسائل التي يتصدى للقضاء فيها من الحقوق ، والحدود وشرائطها ، وفروعها ، والعلم بجميع أحكام القضاء ، وآدابه ، لا يحصل ذلك إلّا لمقلد يكون تاليا للمجتهد وقريبا منه ، وعلى كل حال ثبوت هذا المنصب للفقيه ممّا لا ريب فيه ، وأمّا الزائد عنه فهو خارج عما نحن بصدده . بقي هنا شيء : لا ينبغي الشك في أنّ القضاء من المناصب لا يجوز التصدي له إلّا بعد النصب له عموما أو خصوصا ، ويدل عليه : أولا : أنّه كذلك بين جميع الأمم بل هو جزء من ولاية الحاكم ، وشأن من شؤونه ، ولا يزال ينصب القاضي من قبل رؤساء الحكومات وولاة الأمور ، والسر فيه أنّهم متصدون لنظام البلاد الذي لا يتمّ إلّا بحسن القضاء بين الناس . مضافا إلى أنّ أحكام القضاة لا تنفذ إلّا بقوة قهرية تجبر الظالم على أداء حق المظلوم ، وهذا لا يتحقق إلّا إذا كان القاضي معتمدا على قوة السلطان ، لأنّ الناس لا يقومون بالقسط إلّا بالحديد أحيانا ، ولذا أنزله اللّه بعد انزال الكتاب والميزان . وثانيا : وقع التصريح بذلك في مقبولة عمر بن حنظله في قوله عليه السّلام : « فانّي قد جعلته حاكما » « 2 » وقوله « فانّي قد جعلته قاضيا » في رواية أبي خديجة « 3 » فانّها ظاهرة بل صريحة في حاجته إلى الجعل وأنّه من المناصب الإلهية التي أمرها بيد ولى الأمر . هذا مضافا إلى أنّ المسألة مجمع عليها بين الأصحاب ، فقد اجمعوا على أنّه يشترط في ولاية القضاء إذن الإمام عليه السّلام أو من فوض إليه الإمام عليه السّلام وقد جعلوه لكل مجتهد عادل في

--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، الباب 1 من أبواب صفات القاضي ، ح 5 . ( 2 ) . المصدر السابق ، ج 18 ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 1 . ( 3 ) . المصدر السابق ، الباب 1 من أبواب صفات القاضي ، ح 5 .