الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

41

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

وهذا ولكن لمّا كان المشهور بين الأصحاب ( رضوان اللّه عليهم ) القول بالإباحة دون الملك ، وقع بين أعاظم المتأخرين حوار شديد ، ومعركة عظيمة في هذا المقام لأنّ مراد المتعاطيين كان هو الملكية ، ولم تقع بل وقع ما لم يقصداه ، وهو الإباحة ، فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد . مضافا إلى أنّ ظاهر هم جواز التصرفات الناقلة والمتوقفة على الملك ، وكيف يصحّ مثل الوقف والبيع والوطي في الأمة وشبه ذلك وليس مملوكا ؟ وعمدة المعركة بين ثلاث من كبار أساطين الفقه وهم المحقق الثاني ، وصاحب الجواهر ، وشيخنا العلّامة الأنصاري ( قدس اللّه أسرارهم ) . فقال الأول منهم بأنّ مراد المشهور من الإباحة ، الملك الجائز دون اللازم ، قال : وما يوجد في عبارة جمع من متأخري الأصحاب من أنّها تفيد الإباحة وتلزم بذهاب إحدى العينين ، يريدون به عدم اللزوم في أول الأمر ، وبالذهاب يتحقق اللزوم ، لامتناع إرادة الإباحة المجرّدة عن أصل الملك ، إذ المقصود للمتعاطيين إنّما هو الملك ، فإذا لم يحصل كانت فاسدة ، ولم يجز التصرف في العين ، وكافة الأصحاب على خلافه ( انتهى ) « 1 » . وقال في الجواهر بعد أن استجود هذا المقال في كلام طويل له : إن حمل كلمات قدماء الأصحاب على ما ذكرناه من أنّ مرادهم بيان قابلية الأفعال للإباحة لو قصداها وأنّ ذلك مشروع دون التمليك البيعي مثلا ، خير من ذلك « 2 » . وبهذا الاعتبار جعل محل النزاع ما لو قصدا الإباحة . وقال شيخنا الأعظم قدّس سرّه بعد ذكر كلمات جمع من الأصحاب ( الظاهر أو الصريحة أنّ محل الكلام ما لو قصدا الملك دون الإباحة كما أنّ مرادهم من الإباحة هو نفس الإباحة لا الملك الجائز ، بل بعض عباراتهم صريح أو كالصريح في ذلك ) : إنّ الأولى إبقاء كلماتهم في المقامين على ظاهرها ونجتهد في حلّ مشكلات هذه الإباحة ( انتهى محل الحاجة ) . والانصاف أنّ ما ذكره أحسن وأوجه ممّا ذكره العلمان السابقان ، وإن كان لا يخلو

--> ( 1 ) . جواهر الكلام ، ج 22 ، ص 214 . ( 2 ) . المصدر السابق ، ص 224 .