الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

407

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

اختلال النظام ، لعدم استعداد جميعهم لذلك ، حتى أنا نرى في بعض الحوزات العلمية أناسا يدرسون أكثر من عشرين سنة لا يقدرون على الاجتهاد ولو في مسألة واحدة مهمّة فقهية ، فكيف بغيرهم ، والحق أنّ الاجتهاد أشد من طول الجهاد كما أشار إليه شيخنا الأعظم الأنصاري قدّس سرّه في بعض كلماته . وهل يقدر جميع الناس إذا مرضوا بأمراض مختلفة أن يراجعوا بأنفسهم الكتب الطبية ويعملون بها ؟ وكذا إذا أرادوا بناء دار أو مدرسة أو سوق أو غيرها يطالعون كتب الهندسة ويستغنون بها عن مراجعة أهل الخبرة ، وهذا أمر واضح ظاهر . وأمّا سيرة أهل الشرع : فقد استقرت من زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله على رجوع الناس في المسائل الشرعية إلى فقهاء الأمة فكان صلّى اللّه عليه وآله إذا فتح بلدا أرسل إليه أميرا وقاضيا فالأمير لنظم البلد ، والقاضي للفتوى القضاء ، ولم يكن القضاء في تلك الأيّام أمرا مستقلا عن الافتاء ، فإذا جهلوا بالحكم سألوه عنه ، وإذا اختلفوا وتنازعوا في الحقوق رجعوا إليه للقضاء بينهم . وقد كان بعضهم جامعا بين مقام الامارة والفتوى وإن كان هذا قليلا بينهم ، ومن هنا يتّضح حال مقبولة عمر بن حنظلة وأنّه لا عجب لو كان صدره في القضاء وذيله في الافتاء . ثم أنّه لما اتسع نطاق الفقه والعلم انفصل مقام القضاء عن الافتاء ، فقد كان هناك فقهاء عارفون بالأحكام يراجعهم الناس في كل بلد وإن لم يكونوا من القضاة فقد قال الصادق عليه السّلام - كما في الحديث - لبعض أصحابه : أحب أن تجلس في مسجد المدينة وتفتي الناس . نعم الاجتهاد في تلك الأعصار كان بسيطا جدّا بالنسبة إلى عصرنا حيث يكفيه معرفة اللغة ومعرفة الحديث والرواية وحكم التعارض بين الأحاديث وشبه ذلك . وما قد يتوهّم من أن الاجتهاد والاستنباط لم يكن في تلك الأيّام بل كانوا يكتفون بنقل الأحاديث المأثورة باطل جدّا ، لأنّ الأحاديث قد كانت متعارضة ، وكلمات أهل اللغة في تفسير بعض الآيات كانت متضاربة ، إلى غير ذلك ممّا يحتاج إليه في الإحاطة بمسائل الأصول والفقه واللغة وغيرها ومن ينكره إنّما ينكره باللسان و قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ . هذا كلّه بالنسبة إلى الأحكام . أمّا الموضوعات : فالحق فيها على أقسام ثلاثة :