الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

375

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

أمّا الأوّل فأمره سهل لعموم أدلة الضمان ومساواة الجميع بالنسبة إلى المالك ، ولكن الكلام في تصوير ضمان الاثنين استقلاله لشيء واحد ، وليس الإشكال فيه من ناحية عموم على اليد ، فانّه ظاهر واضح بعد فرض كون الأيدي غير أمينة ، إنّما الإشكال في إمكان كون مال واحد شخصي في ذمم متعددة ، فقد يقال : إن هذا محال إذا كان ذلك في فرض واحد لأنّ الشيء الواحد الشخصي لا يقبل الوجود إلّا في مكان واحد . ولكن يمكن أن يجاب عنه : بأن الاستحالة إنّما هو في الوجود الحقيقي لا الاعتباري ، لأنّ الاعتبار تابع لمنشإه ، وهو هنا سبب الضمان ، فلما كان على اليد منطبقا على كل من ذوي الأيدي المتعاقبة ، كان موجبا لاشتغال الذمة بالنسبة إليهم جميعا ، ولازم ذلك براءة ذمة الجميع إذا أدى واحد منهم ، لأن المفروض أنّه ليس هناك أموال متعددة بل مال واحد في ذمم متعددة ، فإذا أدى إلى صاحبه فقد حصلت البراءة للجميع . والانصاف أنّ تشبيه بالواجبات الكفائية أيضا في محله لا سيما بناء على المختار من أنّ الفعل ( مثل دفن الميت المعين ) واجب على كل واحد لا على البدل ، ولا على نحو التشريك ، بل على نحو الاستقلال ولكن إذا دفنه واحد منهم يحصل الغرض ، فلا يبقى موضوع للأمر فيسقط عن الجميع ، كذا في محل الكلام . وحينئذ الأمر من ناحية جواز رجوع المالك إلى كل واحد وكذا سقوط عن الجميع بعد أداء واحد منهم أمر ظاهر . إنّما الإشكال في استقرار الضمان على من تلف في يده ، فقد ذكر في مفتاح الكرامة بعد نقله عن التذكرة وجامع المقاصد والمسالك والروضة والكفاية وغيرهم ، في بيان دليل هذا الحكم : أنّه ظالم بامساك مال الغير في يده مع علمه بأنّه له ، وقد حصل التلف في يده ، فكانا متساويين في كون كل منهما غاصبا وانفرد الثاني بزيادة ، وهي كون التلف في يده ، فيختص ببدله ، فلو رجع على الأوّل استحق الرجوع عليه دون العكس « 1 » . هذا ولا يخفى أنّه مصادرة بالمطلوب ، لأن كون مجرّد التلف ( لا الاتلاف ) في يده زيادة

--> ( 1 ) . مفتاح الكرامة ، ج 6 ، ص 229 .