الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
357
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
أقول : يظهر من هذه الكلمات أنّ المشهور عندهم عدم جواز الرجوع مطلقا كما يظهر منها أن عدم الرجوع عند التلف أكثر قائلا منه عند البقاء ، ويظهر أيضا أن العمدة عندهم هو تسليط البائع الغاصب على الثمن مع العلم بعدم حق له فيه ، فليس هنا إجماع تعبدي ( لو ثبت الإجماع ) بعد استنادهم إلى هذا ، وللشهيد الثاني قدّس سرّه هنا كلام ينبغي الإشارة إليه ، وهذا نصه : قال : ( بعد قول المحقق قدّس سرّه قيل لا يرجع بالثمن مع العلم بالغصب ) : « هذا هو المشهور بين الأصحاب ، مطلقين الحكم فيه ، الشامل لكون الثمن باقيا وتالفا ، ووجهوه بكون المشتري قد دفعه وسلطه عليه مع علمه بعدم استحقاقه له ، فيكون بمنزلة الإباحة وهذا يتمّ مع تلفه ، أمّا مع بقائه فلا ، لأنّه ماله وهو مسلط عليه بمقتضى الخبر ، ولم يحصل منه ما يوجب نقله عن ملكه ، لأنّه إنّما دفعه عوضا عن شيء لا يسلم له ، لا مجانا ، فمع تلفه يكون إذنا فيه ، أمّا مع بقائه فله أخذه ، لعموم النصوص الدالة على ذلك » . ثم أضاف إليه : « بل يحتمل الرجوع بالمثمن مطلقا ، وهو الذي اختاره المصنف في بعض تحقيقاته ، لتحريم تصرف البائع فيه ، حيث إنّه أكل مال بالباطل ، فيكون مضمونا عليه ، ولولا ادعاء العلّامة قدّس سرّه في التذكرة الإجماع على عدم الرجوع مع التلف لكان في غاية القوة ، وحيث لا إجماع عليه مع بقاء العين فليكن القول به متعينا . . . إلى أن قال - بعد الايراد على نفسه بأن اللازم إمّا جواز تصرفه أو جواز الرجوع إليه مطلقا - : قلنا : هذا الالتزام في محله ، ومن ثم قلنا إن القول بالرجوع مطلقا متجه لكن لما اجمعوا على عدمه مع التلف كان هو الحجة ، وحينئذ نقول إن تحقق الإجماع فالأمر واضح ، وإلّا فمن الجائز أن يكون عدم جواز رجوع المشتري العالم عقوبة له حيث دفع ماله معاوضا به على محرم ( انتهى محل الحاجة ) « 1 » . ويظهر منه أنّه قدّس سرّه كان بالنسبة إلى دعوى الإجماع بين الخوف والرجاء فلم تكن نفسه تطمئن إليه ، كما أنّ مخالفته كان صعبا عليه .
--> ( 1 ) . مسالك الأفهام ، ج 1 ، ص 172 .