الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

207

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

الصبي عن جميع تصرفاته المالية ، وعن استقلاله في أمواله من دون فرق بين أرباب الديانات وغيرها وبين القديم والحديث إلى يومنا هذا ، فانّهم لا يزالون يعتبرون حدّا معينا من السّن القانوني وإن اختلف حدّه بين المجتمعات المختلفة . والشارع المقدس أمضى هذه الطريقة إجمالا ، ولكنه جعل حدّا خاصا لسنّ البلوغ ذكره الفقهاء رضوان اللّه عليهم في كتاب الحجر . وممّا يؤكد هذا المعنى أنّه لم يسأل في الأخبار المختلفة الواردة في هذا الباب عن هذا الحكم ، وإنّما وقع السؤال عن حدّه ، وذلك يدلّ على كون أصل اعتبار السنّ القانوني من الواضحات عند الروايات أيضا ، فتدبّر جيدا . ويدلّ عليه ، مضافا إلى ما ذكر ، قوله تعالى : وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ « 1 » . وظاهرها اعتبار أمرين : بلوغ حدّ النكاح بالاحتلام وتكوّن المني ، وإيناس الرشد . والظاهر أنّ كلّا منهما معتبر في هذا الحكم ، وله موضوعية ، لا أنّ بلوغ النكاح طريق للرشد ، حتى يقال بكفايته ولو حصل قبل البلوغ كما توهمه بعض الشراح للمكاسب . وقد يقال : إن الآية على خلاف المطلوب أدل ، لأنّ ظاهرها وقوع الابتلاء قبل البلوغ وهذا لا يكون إلّا بتصديه للبيع والشراء مستقلا . وفيه : أولا : إنّ الابتلاء لا يكون بهذا ، بل يمكن اختباره بمقدمات البيع ويمكن أن يكون بنفسه تحت اشراف الولي من دون استقلاله ، قال في كنز العرفان : « اختلف في معني ابتلائهم ، قال أبو حنيفة : هو أن يدفع إليه ما يتصرف فيه ، وقال أصحابنا والشافعي ومالك : هو تتبع أحواله في ضبط أمواله وحسن تصرفه بأن يكل إليه مقدمات البيع » « 2 » . ويظهر من رواية عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّ المراد القدرة على حفظ الأموال فقد سئل عنه عن قول اللّه عز وجل : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ قال عليه السّلام : « إيناس الرشد حفظ المال » « 3 » .

--> ( 1 ) . سورة النساء ، الآية 6 . ( 2 ) . كنز العرفان ، ص 263 من الطبعة القديمة . ( 3 ) . وسائل الشيعة ، ج 13 ، الباب 2 من أحكام الحجر ، ح 4 .