الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

170

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

وقد يستدل عليه أيضا بقوله تعالى وأنّه : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ « 1 » وصدرها ناظر إلى حكم القتال في الشهر الحرام وأنّه حرام إلّا بعنوان المقابلة والقصاص ، فقال اللّه تعالى : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ أي إن كان عملكم نقضا لحرمة الشهر الحرام فإنّما هو في مقابل نقضهم لذلك ، والحرمات قصاص ، أي حرمة الشهر وحرمة البلاد وحرمة الاحرام إن توقفت فإنّ توقفت قصاصا لنقضهم ( وفي الآية تفسيرات أخرى ولعل ما ذكرنا أظهر من الجميع ) فالحرمات قصاص بمنزلة التعليل لقوله تعالى : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وأمّا قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى . . . فهو تفريع على ما ذكر وإجازة للمقابلة بالمثل في فرض الاعتداء حتى لا يتجاسر العدو على الغارة على المسلمين بظن عدم اقدامهم على الحرب في هذه الأشهر . و « ما » في قوله تعالى : « ما اعتدى » أما « مصدرية » فهو يعطى المماثلة بين الاعتدائين ويدخل فيه مورد الآية ، أعني نقض احترام الشهر الحرام وكذا جميع ما يؤتى به بعنوان قصاص النفس والأطراف ، لعموم الحكم وإن كان المورد خاصا . وأما « موصولة » فيدخل فيه الأموال والأفعال ، ولكن التعبير بالقصاص أو الاعتداء عليه بالمثل يناسب الأفعال ، فانّه يجوز فيها « النفس بالنفس والجروح قصاص » وأمّا الأموال فلا يجوز اتلاف المال في مقابل اتلافه ، وأخذ المثل والقيمة لا يعد قصاصا كما هو ظاهر ، ولا يصدق عليه الاعتداء عليه بمثل ما اعتدى ، هذا أولا . وثانيا : أنّه لو سلمنا دلالتها على ما نحن بصدده كان مفادها لزوم المثل دائما ، وتخصيصه باخراج القيميات لو لم يكن تخصيص الأكثر ، لا أقل من أنّه تخصيص مستهجن لأن المستثنى لا بدّ أن يكون قليلا بالنسبة إلى المستثنى منه ، مع أنّ القيميات ليست قليلة ، لا بحسب الأفراد ولا العناوين فتأمل . وثالثا : سلّمنا ، لكن يبقى هذا الدليل ناقصا بالنسبة إلى تمام المطلوب كما هو ظاهر . وقد يورد على الاستدلال به أيضا بأن المراد المماثلة في أصل الاعتداء ، لا في

--> ( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 194 .