الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

123

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

سلّمنا ، ولكن هذا الأمر النفساني بمجرّده لا يصدق عليه العقد إذا لم ينظم إليه إنشاء القبول في زمن مناسب ، ولا أقول : إنّ الالتزام النفساني ينعدم ، بل أقول : إنّ وجوده غير كاف في صدق العقد بدون الانضمام في زمن قريب ، وإن شئت اختبر نفسك في ما إذا أنشأت بيعا ، بعد عدّة شهور أو سنين جاء المشتري وقبله ، فهل تراه عقدا يجب الوفاء به بحكم الشرع والعقلاء ؟ الأمر الثاني : عموم وجوب الوفاء منصرف إلى العقود المتعارفة ، سلّمنا صدق العقد على المنفصل في الجملة لكنه خارج عن منصرف العموم لأنّه متعارف ، وهذا هو الذي أشار إليه صاحب الجواهر قدّس سرّه فيما عرفت ، والانصاف أنّه كذلك حيث ينصرف الذهن في هذه الاطلاقات والعمومات بما دارت بين العقلاء من عقودهم وبيوعهم وتجاراتهم إلّا ما خرج بالدليل ، والمعمول بينهم هو العقد المتصل عرفا . الأمر الثالث : ما حكي عن بعض المشايخ من أنّ حقيقة البيع وما يشبهه من العقود هي من قبيل الخلع واللبس ، فإذا وقع خلع لا بدّ أن يقاربه لبس ولا يتأخر عنه . وفيه : إنّ هذا كلام شعري لا يساعد عليه دليل ، مضافا إلى أنّ الخلع لا يكون بفعل الموجب ، واللبس بفعل القابل ، بل الخلع واللبس كلاهما يقعان في آن واحد بمجموع العقد ، أعني الإيجاب والقبول كليهما . هذا وقد يستدل على عدم اعتبار الموالاة بالسيرة القطعية على ارسال الهدايا من البلاد النائية ووصولها إلى أيدي المهدى إليهم بعد شهر أو شهور ، ولم يسمع من أحد الإشكال فيها للفصل الطويل بين الإيجاب والقبول . وكذا ما يقع بين التجار من البيع والشراء بالكتابة وشبهها مع ما بين الإيجاب والقبول فيها من الفصل الطويل ولم يناقش فيها أحد من أهل العرف . واستدل أيضا بقصة مارية القبطية الموهوبة للنبي صلّى اللّه عليه وآله من النجاشي بعد إسلامه ولا فرق بين الهبة وغيرها ( انتهى ملخصا ) . وأنت خبير بأنّ شيئا من ذلك لا يسمن ولا يغني ، بل هي أجنبية عمّا نحن بصدده . أمّا مسألة الهدايا ، ومنها حديث مارية زوجة النبي صلّى اللّه عليه وآله فلا شك إنّها هبة معاطاتية وليس بين إيجابها وقبولها فصل ولو بلحظة ، إنّ إيجابها إنّما يتمّ عند وصولها إلى يد