مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي
480
موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت ( ع )
ومن جملة الأخبار خبر أبي الربيع الشامي ، حيث ورد فيه : « هلك الناس إذاً لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إيّاه ، لقد هلكوا إذاً . . . » ( « 1 » ) . قال السيّد الخوئي في وجه عدم صحّة الاستدلال به هنا على اعتبار الرجوع إلى الكفاية : « إنّ الظاهر من الرواية صدراً وذيلًا كون موردها الاستطاعة المالية ولا إطلاق لها يشمل مورد الاستطاعة البذلية . . . » ( « 2 » ) . وأمّا إن كان الدليل قاعدة نفي الحرج فلا تنطبق على الاستطاعة البذلية أيضاً ؛ إذ من المفروض أنّ المبذول له لا يصرف شيئاً من المال في الحجّ وإنّما مصارفه على الباذل ، ويكون حاله بعد الحجّ كحاله قبل الحج ، فلا يقع في الحرج بسبب سفره إلى الحجّ ، بخلاف الاستطاعة المالية ، فإنّه لو صرف جميع ما عنده من المال في الحجّ بحيث لو رجع إلى بلده ولا مال له لكفاية نفسه وعياله يكون سفره إلى الحجّ مستلزماً لوقوعه في الحرج فيرتفع وجوبه . نعم ، لا يجب الحجّ بالبذل فيما لو وقع المبذول له في الحرج من جهات أخر ولو على سبيل الندرة ، كما لو فرضنا أنّ كسب الشخص منحصر في خصوص أشهر الحجّ ، فلو سافر إلى الحجّ في هذه الأشهر لا يتمكّن من الكسب أصلًا ويتعطّل أمر معاشه في طول السنة ( « 3 » ) . ثمّ إنّه لو كان له مال لا يفي بمصارف الحجّ وبذل له ما يتمّم ذلك وجب عليه القبول ؛ لصدق العَرْض بذلك ولا يختصّ عنوان عرض الحجّ ببذل تمام النفقة ، فإنّ الميزان تحقّق الاستطاعة ولو بالتلفيق بين ما عنده من المال وما بذل له . ولكن يعتبر حينئذٍ الرجوع إلى الكفاية ؛ لأنّ المفروض أنّ له مالًا فيشمله قوله عليه السلام : « يحجّ ببعض ويبقي بعضاً لقوت عياله » ( « 4 » ) ( « 5 » ) . 6 - حكم بذل نفقة الحج للمديون : لا إشكال في عدم منع الدين من وجوب الحجّ في الاستطاعة البذلية فيما إذا كان المكلّف متمكّناً من أداء الدين بما عنده من المال ، أو فيما إذا كان الدين مؤجّلًا ولم يكن سفر الحجّ منافياً لأدائه ، أو كان الدين حالًّا مع عدم مطالبة الديّان ، وكذا إذا لم يتمكّن من أداء دينه ولو تدريجاً مع ترك الحجّ . واستدلّ على ذلك بأنّ البذل تارةً يكون على نحو الإباحة وأخرى على نحو التمليك ، فعلى الأوّل فوجه عدم المنع واضح ؛ لأنّ المال المبذول لا يصير ملكاً للمبذول له كي يجوز صرفه في أداء الدين ، بل إنّما يتمكّن فقط من سفر الحجّ بمال غيره كالضيف حيث إنّه ليس له إلّا إباحة التصرّف في مال المضيف ، وعليه فلا يباح له التصرّف في المال المبذول له إلّا
--> ( 1 ) الوسائل 11 : 37 ، ب 9 من وجوب الحجّ ، ح 1 . ( 2 ) معتمد العروة ( الحجّ ) 1 : 166 . وانظر : المعتمد في شرح المناسك 3 : 76 - 77 . ( 3 ) المعتمد في شرح المناسك 3 : 77 . وانظر : مستمسك العروة 10 : 163 . ( 4 ) الوسائل 11 : 37 ، ب 9 من وجوب الحج ، ح 1 . ( 5 ) معتمد العروة ( الحجّ ) 1 : 167 . المعتمد في شرح المناسك 3 : 77 - 78 .