مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي

459

موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت ( ع )

وأيضاً ليس مفاده ترجيح حقّ اللَّه تعالى على حقّ الناس من جهة كون ترك حقوق اللَّه الواجبة معصية للَّه تعالى ، كيف وترك حقوق الناس الواجبة أيضاً معصية للَّه تعالى ؟ ! بل يكون مفاده قضيّة ضروريّة عند العقل ، وهي أنّ من له اهتمام بحقوق الناس ولا يهتمّ بحقوق اللَّه تعالى كان ذلك كاشفاً عن أنّ اللَّه جلّت عظمته صغير في عينه ، ولا يعتني به بمقدار اعتنائه بالناس ، وكان الخالق عنده أحقر من المخلوق ، وهذا - كما ترى - غير مربوط بمسألة ترجيح حقّ اللَّه الواجب على حقّ الناس الواجب من جانب اللَّه أيضاً عند المزاحمة . وأمّا الحديث الثالث فإنّ المقصود من قوله : « فدين اللَّه أحقّ بالقضاء » أنّه أحقّ أن يصحّ قضاؤه بقرينة كون السؤال عن ذلك حيث قال : « أينفعه ذلك ؟ » فعدم دلالته على المقصود في غاية الوضوح ، وإلّا فمفاده مفاد الحديثين الأوّلين كما هو واضح ، وقد عرفت عدم دلالتهما على المقصود ( « 1 » ) . ثمّ إنّهم قد ذكروا في المسألة وجهاً آخر ، وهو أن يقال بتقديم ما هو الأسبق سبباً ، فإن حصلت له الاستطاعة للحجّ قبل عروض سبب الدين يقدّم الحجّ على الدين ، وإن عرض سبب الدين قبل حصول الاستطاعة قدّم الدين على الحجّ . ولكن أورد عليه بأنّ تقدّم السبب زماناً لا يوجب تقديم مسبّبه على الآخر ، كما إذا وقع حيوان له نفس محترمة في الماء ، ثمّ وقع إنسان له نفس محترمة فيه ، حيث إنّه يجب حينئذٍ إنقاذ الإنسان فقط إذا لم يمكن الجمع بين الإنقاذين ( « 2 » ) ، ولذا لو سها الرجل في الصلاة مرّتين ، فلم يقل أحد بوجوب تقديم سجدتي السهو الأوّل على سجدتي السهو الثاني من جهة تقدّم سببه ، كما أنّه لم يقل أحد بذلك في الديون الخلقيّة ، بأن فرضنا أنّه استدان أوّلًا من زيد ، ثمّ استدان ثانياً من عمرو ، وفرض أنّ الأجل قد تمّ بالنسبة إلى كليهما ، فلم يقل أحد بوجوب تقديم أداء دين زيد على أداء دين عمرو وإن فرضنا أنّه غير متمكّن من أدائهما معاً ( « 3 » ) .

--> ( 1 ) الحجّ ( الشاهرودي ) 1 : 123 - 124 . ( 2 ) انظر : مصباح الهدى 11 : 354 . ( 3 ) الحجّ ( الشاهرودي ) 1 : 124 .