مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي

484

موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت ( ع )

. . . . . . - وصاحب القول الثاني حمل الروايات على من كان دون الميقات فبدا له العمرة وإن لم يكن من أهل مكّة ، وكأنّه لم يستفد الإطلاق منها لكونها تحكي فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وليس فيه إطلاق ، فإنّ رسول اللَّه خرج لغرض القتال ونحوه فوصل إلى دون الميقات فبدا له العمرة ( « 1 » ) .

--> ( 1 ) قال السيد الخوئي في معتمد العروة الوثقى ( 2 : 390 - 393 ) : « يبقى الكلام في مرسلة الصدوق التي رواها بعد صحيحة عمر بن يزيد ، قال الصدوق : وأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم اعتمر ثلاث عمر متفرّقات ، كلّها في ذي القعدة ، عمرة أهلّ فيها من عسفان وهي عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء أحرم فيها من الجحفة ، وعمرة أهلّ فيها من الجعرانة وهي بعد أن رجع من الطائف من غزوة حنين . ورواها الكليني في الكافي بسند صحيح عن معاوية بن عمّار باختلاف يسير . وربما يقال : بأنّ ظاهر الرواية أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أحرم للعمرة من عسفان التي تبعد عن مكّة بمقدار مرحلتين ، ولم يكن ميقاتاً ولا من أدنى الحلّ ، كما يظهر منها أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أحرم لعمرة القضاء من الجحفة ، مع أنّه لو كان صلى الله عليه وآله وسلم قاصداً للعمرة من المدينة فكيف لم يحرم من مسجد الشجرة ؟ فمقتضى هذه الرواية جواز تأخير إحرام العمرة المفردة للنائي من الميقات الذي أمامه إلى ميقات آخر بعده . والجواب : أنّه إذا كان المراد بالإهلال الإحرام فتدلّ الرواية على جواز الإحرام من مكانه وعدم لزوم الرجوع إلى الميقات ، نظير من كان منزله بعد الميقات ، فإنّ موضع إحرامه دويرة أهله ، وليس عليه الرجوع إلى الميقات ، فالحكم بجواز الإحرام من مكانه وعدم لزوم الرجوع إلى الميقات لا يختصّ بمن كان منزله دون الميقات ، بل يشمل من كان بنفسه دون الميقات من باب الاتفاق وإن كان منزله بعيداً . فالمستفاد من الرواية أنّ من كان دون الميقات - ولو اتفاقاً - وأراد العمرة يجوز له الإحرام من مكانه ، وليس عليه الرجوع إلى الميقات ، ولا خصوصيّة لذكر عسفان ، بل الميزان كلّ من كان بعد الميقات سواء كان في عسفان أو في غيره من المواضع . ولكن لا يبعد أن يكون المراد بالإهلال رفع الصوت بالتلبية ، كما هو معناه لغة ، يقال : أهلّ بذكر اللَّه : رفع به صوته ، وأهلّ المحرم بالحجّ والعمرة : رفع صوته بالتلبية ، وأهلّوا الهلال واستهلوه : رفعوا أصواتهم عند رؤيته ، وأهلّ الصبي : إذا رفع صوته بالبكاء . فمعنى الرواية : أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم رفع صوته بالتلبية في عسفان والعمرة - التي رفع صوته بالتلبية لها من عسفان - هي عمرة الحديبية ، فلا ينافي ذلك مع إحرامه من مسجد الشجرة . يبقى الإشكال في إحرامه صلى الله عليه وآله وسلم من الجحفة في عمرة القضاء ، كما في المرسلة . ويندفع : بأنّ العبرة بصحيحة الكافي عن معاوية بن عمّار ، فإنّ المذكور فيها الإهلال من الجحفة ، وقد عرفت أنّ المراد به رفع الصوت بالتلبية ، والذي يظهر من الروايات الصحيحة والتواريخ المعتبرة : أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إنّما اعتمر بعد الهجرة عمرتين ، وإنّما عبّر في هذه الصحيحة بثلاث عمر باعتبار شروعه في العمرة والإحرام لها ، ولكنّ المشركين منعوه من الدخول إلى مكّة فرجع صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما صالحهم في الحديبية ، واعتمر في السنة اللّاحقة قضاءً عمّا ] فات عنه صلى الله عليه وآله وسلم وعن أصحابه ، فسمّيت بعمرة القضاء ، كما صرّح بذلك في صحيحة أبان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، قال : « اعتمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عمرة الحديبية ، وقضى الحديبية من قابل ، ومن الجعرانة حين أقبل من الطائف ثلاث عمر كلّهن في ذي القعدة » ، وفي صحيحة صفوان : أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أحرم من الجعرانة . فالذي يستفاد من صحيحة معاوية بن عمّار أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أحرم من مسجد الشجرة للعمرة ، ورفع صوته بالتلبية من عسفان ، وهي العمرة التي منعه المشركون من الدخول إلى مكّة ، وصالحهم في الحديبية ورجع من دون إتيان مناسك العمرة ، ثمّ في السنة اللّاحقة اعتمر وأحرم من مسجد الشجرة ، وأهلّ ورفع صوته بالتلبية من الجحفة ، فسمّيت بعمرة القضاء . وأمّا الجعرانة فالظاهر من الصحيحة أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أحرم منها ؛ لظهور قوله : « وعمرة من الجعرانة » في أنّ ابتداء العمرة كان من الجعرانة لا أنّه أحرم قبل ذلك ورفع صوته بالتلبية من الجعرانة ، كما صرّح بذلك في صحيحة أبان المتقدّمة . فالمستفاد من الصحيحة جواز الإحرام للعمرة المفردة من الجعرانة اختياراً وإن لم يكن من أهل مكّة كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، كما يجوز الإحرام من أدنى الحلّ . ولكن إنّما يختصّ ذلك بمن بدى له العمرة في الأثناء . فما ذكرناه في أول البحث من أنّ ميقات العمرة المفردة للنائي الخارج من مكّة هو المواقيت المعروفة ، غير تامّ على إطلاقه ، بل لا بدّ من التفصيل . وحاصله : أنّ النائي إذا سافر وخرج من بلده لغرض من الأغراض كقتال ونحوه ، ووصل إلى حدود الحرم ودون الميقات فبدا له أن يعتمر يجوز له أن يعتمر من أدنى الحلّ من الجعرانة ونحوها كما صنع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يجب عليه العود والرجوع إلى الميقات . وأمّا النائي الذي يخرج من بلده بقصد العمرة فليس له الإحرام إلّا من المواقيت المعروفة ، وليس له التأخير إلى أدنى الحلّ » .