مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي
226
موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت ( ع )
. . . . . . - 2 - إنّ الإحرام حالة اعتبارية قصدية تحصل بأمر إنشائي أو بنائي ، يوجده المحرم في حقّ نفسه بالالتزام أو البناء على تحريم المحرّمات على نفسه بالتلبية ، فيكون نظير الأمور الاعتباريّة في باب العقود والإيقاعات . وقد ذهب إليه السيّد الگلبايگاني ناسباً ذلك إلى ظاهر الصدوق والمفيد وسلّار والشيخ في النهاية والسيد في الغنية ( « 1 » ) ،
--> ( 1 ) الحج ( الگلبايگاني ) 1 : 242 - 247 ، حيث قال : « حقيقة الإحرام ، وهو لغة جعل الشيء حراماً على النفس . وأمّا اصطلاحاً فالظاهر أنّ المقصود منه تحريم المحرّمات على النفس ، بمعنى جعلها حراماً على نفسه ، بتوطين النفس والالتزام على تركها ، أو تشريع التحريم على نفسه ، كما في قوله تعالى : « إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ » فيتعلّق عليه الحرمة حينئذٍ شرعاً ، نظير النذر لترك الشيء الذي يجب على الناذر تركه بالتزامه له بالنذر ، فيكون تحريمه على نفسه التزاماً موضوعاً للتحريم شرعاً ، كما هو الظاهر من قول الصادق عليه السلام فيما رواه معاوية بن عمّار عنه في كيفية الإحرام ، حيث قال عليه السلام : « وتقول : أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء والثياب والطيب » . ومثله ما رواه ابن سنان وأبو بصير عن الصادق عليه السلام . والحاصل أنّ التأمّل في الروايات المتعرّضة لكيفية الإحرام يوجب ظنّاً قويّاً بأنّ حقيقة الإحرام هو تحريم المحرّمات على النفس بناءً ، أي اعتبار تحريم المحرّمات عليها . ولعلّ هذا هو المراد من قول السيّد في العروة في المسألة ( 26 ) من أحكام المواقيت : بل هو البناء على تحريمها على نفسه ، انتهى . فإنّ البناء على تحريم شيء على النفس ليس إلّا التحريم البنائي الاعتباري . وما ذكرناه هو الظاهر من الصدوق في المقنع والمفيد في المقنعة والشيخ في النهاية والمراسم ، حيث ذكروا في بيان التلفّظ بالنيّة ما ذكر في تلك الروايات : « أحرم لك شعري . . . » ، إلى آخره والظاهر أنّه يعتبر عندهم التلفّظ بما ذكر في نيّة الإحرام . وأوضح العبارات في المقام فيما اخترناه من معنى الإحرام عبارة الغنية حيث تعدّى فيها عمّا ذكر في الروايات إلى سائر المحرّمات ، وقال بعد ما اعتبر تعيين نوع الحجّ والعمرة : يقول المحرم : أحرم لك لحمي ودمي وشعري وبشري عن النساء والطيب والصيد وكلّ محرّم على المحرمين ، أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة ، انتهى . إذ الظاهر من ذكر هذا الدعاء أنّ الإحرام عنده عبارة عن تحريم المحرّمات على نفسه قربة إلى اللَّه تعالى ، تلفّظ به أو نوى ذلك من دون التلفّظ . . . وفي كشف الغطاء : أنّ حقيقة الإحرام عبارة عن حالة تمنع عن فعل شيء من المحرّمات المعلومة . . . والظاهر أنّ مقصوده من الحالة التي تمنع عن المحرّمات الحالة النفسانيّة التي تتولّد منها التروك المذكورة ، نظير ملكة العدالة ، وتلك الحالة تحدث في النفس بعد العزم والتوطين على ترك المحرّمات ، وكذا تحدث بعد البناء على تحريم المحرّمات على النفس أحياناً . ولكن ما هو الظاهر من كلمات العلماء وكذا من الأخبار أنّ الإحرام فعل من أفعال الحجّ ، ويجب على المكلّف إيجاده في الخارج ، لا أنّه حالة نفسانيّة يجب عليه الاتّصاف بها . وأمّا ما ذكره ] من أنّه لا يجب على المكلّفين الاهتداء إلى معرفة الحقيقة ، ففيه أيضاً أنّه كيف يجب على المكلّف ما لا يتصوّره ولا يعلمه ولو إجمالًا ؟ ! وكيف يقصده ويأتي به ؟ ! وفي المستند : لا نسلّم أنّ الإحرام غير التلبّس بأحد النسكين والشروع فيه مطلقاً أو بما يحرّم محظورات الحجّ والعمرة من إجزائهما ، فهو لفظ معناه أحد الأمرين ، لا أنّه أمر آخر وجزء مأمور به بنفسه من حيث هو ، انتهى . ومراده بما تحرّم محظورات الحجّ والعمرة من إجزائهما ، إمّا خصوص التلبية أو مع لبس الثوبين ، أو هما مع نيّة الحجّ أو العمرة ، ولكنّه خلاف ما يتراءى ويستظهر من قوله عليه السلام فيما رواه أبو المعزا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام : « إنّ اللَّه جعل الإحرام مكان القربان » . وما رواه الصدوق مرسلًا عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام : « أنّه وجب الإحرام لعلّة الحرم » . وعن أبي عبد اللَّه عليه السلام - على ما في العلل - : « حرم المسجد لعلّة الكعبة ، وحرم الحرم لعلّة المسجد ، ووجب الإحرام لعلّة الحرم » . فإنّ الظاهر منها أنّ الإحرام غير مجرّد الدخول والشروع في الحجّ ، وإن كان جزءاً منه ، وأنّه عنوان إنشائي يتحقّق بالمجموع من لبس الثوبين والنيّة والتلبية ، أو يتحقّق بالتلبية بعدهما ، ويساعده العرف أيضاً ، فإنّ المحرمية عند الناس شيء يعتبره العقلاء ، وقد خاطبهم اللَّه بقوله : « لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ » وقوله : « غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ » وقوله : « حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً » . فيعلم من مخاطبتهم أنّ عنوان المحرم عندهم إنّما كان معلوماً بينهم ومرتكزاً في أذهانهم ، وأمّا كونه حالة نفسانيّة أو عبارة عن نفس التروك أو العزم عليها أو التوطين للترك خلاف ما هو الظاهر عندهم والمعروف بينهم . وبالجملة : الأظهر أنّ الإحرام أمر إنشائي يوجده المحرم بتحريم المحرّمات على نفسه وإن كان لا يؤثر في التحريم قبل التلبية ، كما هو المستفاد من المحقّق في الشرائع ، حيث قال في بيان كيفية الحجّ : فصورته أن يحرم من الميقات للعمرة - إلى أن قال : - ثمّ ينشئ إحراماً آخر للحجّ من مكّة . الظاهر في أنّ الإحرام أمر إنشائي ، وقد عبّر بمثل ذلك في التحرير والسرائر . وقال بعض الأعاظم في تعليقته على العروة : إنّ الإحرام من العناوين القصدية لا يمكن تحقّقه بدون القصد إليه . ولا ينافي ما ذكرناه قولهم في كيفية الإحرام : إنّ واجباته ثلاثة النيّة ولبس الثوبين والتلبية ، وكذا قولهم : إنّ الإحرام مركّب من النيّة ولبس الثوبين والتلبية أو الإشعار والتقليد ، فإنّ وجوب تلك الأمور في الإحرام لا يلازم كونه عبارة عن تلك الأمور لا غيرها ، بل يدلّ على أنّ الإحرام بأيّ معنى كان لا يصحّ بدونها . وأمّا كونه مركّباً من الأمور المتقدّمة فمعناه أنّه لا يحكم شرعاً بتحريم المحرّمات إلّا بعد الأمور المذكورة من النيّة ولبس الثوبين والتلبية أو الإشعار والتقليد ، ولا يكفي مجرّد إنشاء التحريم من المحرم ، بل يحتاج في ترتّب الأثر على إنشائه شرعاً إلى التلبية أو الإشعار .