مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي
209
موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت ( ع )
كما أنّ الأحكام تختلف بحسب سهولة المدرك والاستنباط وصعوبتهما ، فربّ حكم اختلفت فيه الأقوال وتضاربت أدلته وأخباره ، وحكم آخر مدركه رواية واحدة ظاهرة الدلالة وتامة السند ، ومن البديهي أنّ الاستنباط في الأوّل أصعب وفي الثاني أسهل . وعليه يمكن أن تحصل للإنسان ملكة على الاستنباط في باب لسهولة مقدماته ومداركه ولا تحصل له في أبواب أخرى لصعوبة مبادئها ومآخذها . بل لا يبعد القول بأن المطلق من الاجتهاد مسبوق بالتجزّي دائماً ، وأنّ أيّ مجتهد مطلق كان في وقت متجزّئاً ثمّ قوي وترقى وتكامل شيئاً فشيئاً حتى تمكّن من استنباط أكثر الأحكام أو كلّها . وإلى ذلك أشار المحقق الخراساني : « بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزّي » ( « 1 » ) . ثمّ إنّ هنا بحثاً حول امكان التجزّي الطولي في الاجتهاد ، بمعنى أن يكون شخص مجتهداً في بعض المدارك للمسألة الفرعية دون جميعها ، كما إذا فرض أنّه مجتهد مثلًا في الأصول العملية والأدلّة الفقاهتية دون الأدلّة الاجتهادية أو بالعكس . ويظهر من كلمات بعض الفقهاء إمكان ذلك ، قال المحقق الحائري : « إن فرض كونه مجتهداً في مدارك المسألة الفقهية ، أعني الاستظهار من الخبر مثلًا ، دون مداركها أعني حجّية السند والظهور ، يتعيّن تقليده في المسألة الأصولية للمجتهد المطلق ، فإن أفتاه بالحجّية في حقّه - كما هو الحق - رجع في المسألة الفقهية إلى اجتهاد نفسه ، وإن خالف اجتهاد المجتهد المطلق » ( « 2 » ) . وقد يظهر من كلمات بعض آخر عدم إمكانه ، قال المحقق العراقي : « وأمّا لو لم يقدر إلّا على إعمال بعضها ، بأن كان مجتهداً في بعض القواعد المعمولة في كل مسألة لا في جميعها ، فلا شبهة في عدم تحقّق الاجتهاد في مسألة من المسائل ، لعدم قابليته للتجزئة من هذه الجهة ، ولازمه كونه مقلّداً في المسألة لا مجتهداً » ( « 3 » ) .
--> ( 1 ) ( ) كفاية الأصول : 467 . ( 2 ) ( ) درر الفوائد : 696 . ( 3 ) ( ) نهاية الأفكار 4 : 225 .