محمد جواد مغنية

96

في ظلال نهج البلاغة

التي تزيد عن حاجة أهلها إلى بلاد أخرى هي في أمسّ الحاجة إليها . . ويتعذر على البلد المنتج والمستهلك الاجتماع في مكان واحد للبيع والشراء ، وهذا ما أراده الإمام بقوله : ( وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ) . . وأيضا ينقل التجار مع السلع عقيدتهم وثقافتهم ، وعن طريقهم انتشر الإسلام في كثير من الأقطار . قال العقاد في كتاب « الإسلام في القرن العشرين » : « يوجد اليوم في إفريقيا مئة مليون مسلم ، وقريب من هذا العدد في السومطرة وبلاد الجاوة ، وقريب منه في الباكستان ، وقد يكون في الصين وما جاورها عدة كهذه العدة من الملايين . وكل هؤلاء سرت فيهم عقيدة الإسلام بمعزل عن الدول والسياسة » . ( فإنهم سلم لا تخاف إلخ ) . . ان التجار والصناع من حيث المجموع - لا يثيرون الفتن ، ولا يتآمرون مع أعداء الوطن ، كما تفعل اليوم الرجعية للمحافظة على استغلالها وامتيازاتها . . وقول الإمام : « فإنهم سلم لا تخاف بوائقه » دليل قاطع على أن أهل التجارة والصناعة كانوا في ذلك العهد من الكادحين يعيشون بكد اليمين ، كما قدمنا ( وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك ) . تتبع أخبار القريب منهم والبعيد ، وأسهر على مصلحة الجميع . ( واعلم مع ذلك ان في كثير منهم إلخ ) . . ان التجار كسائر الفئات ، فيهم الكبير والصغير ، والسمح والضيق ، والجشع والقانع ، والطيب والخبيث ، وقد يحاول بعض الأثرياء من ذوي الجشع والطمع - ان يستغل عن طريق غير مشروع كالربا والغش والاحتكار والتحكم بالأسعار ، فإن حدث من أحدهم شيء من هذا فاضرب على يده وعامله بما يستحق . والاحتكار محرم نصا وإجماعا ، ومن الكبائر أيضا ، ولا يختص بنوع معين خلافا لجماعة من الفقهاء ، بل يعم كل ما يضطر اليه الناس لتقديم المصلحة العامة على الخاصة . والحاكم يجبر المحتكر أن يعرض السلعة في الأسواق . ولا يحل التسعير عليه ولا على غيره إلا لضرورة المجتمع ومصلحته ، وللوقاية من استغلال البائع وجشعه . وقال الشهيد الثاني في كتاب « المسالك » : « ان كان المضطر إلى الطعام قادرا على المحتكر قاتله ، فإن قتل المضطر كان مظلوما ، وان قتل صاحب الطعام فدمه هدر » . وتكلمنا عن الاحتكار مفصلا في كتاب « فقه الإمام جعفر الصادق » باب البيع .