محمد جواد مغنية

75

في ظلال نهج البلاغة

القضاء : تحدث الإمام في المقطع السابق عن الجنود ، ويتحدث الآن في هذا المقطع عن القضاء والقضاة ، وأشرنا في الفقرة العاشرة إلى أن الإمام سبق « مونتسكيو » إلى استقلال السلطة القضائية وفصلها عن السلطتين : التشريعية والتنفيذية ، حماية لحقوق الناس من الاعتداء والاعتساف ، وتنحصر مهمة القاضي في تطبيق القوانين المقررة على الوقائع والحوادث الخاصة . ولا يحق للقاضي - في عصرنا - أن ينفذ أو يشرع ، لأن لكل منهما هيئته الخاصة به ، بل قال كثير من الفقهاء والحقوقيين : لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه الشخصي دفعا للتهمة . وعلى أية حال فإن المشرع قد أطلق الحرية للقاضي في البحث عن الموضوع ، وأعطاه سلطة واسعة في تقدير الواقعة التي بين يديه ، وبإمكان القاضي القدير أن يكيف الواقعة بما يتفق مع الحق والنص معا بلا تمحّل وتعسف . وسلام على من قال : « البر ما اطمأن اليه القلب . . . وإن أفتاك الناس وأفتوك » ونعطف نحن القانون على الناس أخذا بروح النص ، وبتعبيرنا نحن الفقهاء « عملا بتنقيح المناط » . ( ثم اختر للحكم - أي للقضاء - بين الناس أفضل رعيتك ) . الغاية من القضاء فصل الخصومات والمنازعات بإعطاء كل ذي حق حقه ، ولا نصل إلى هذه الغاية إلا إذا تكاملت في القاضي الصفات التي أشار إليها الإمام فيما يلي : 1 - ان يختار القاضي بالتعيين لا بالانتخاب العام ، وعلى هذا معظم الدول . ولا يتنافى التعيين مع استقلال القضاة عن الحاكم الذي يختارهم حيث ينصرف كل فريق بعد التعيين إلى مهمته واختصاصه ، ولا يتدخل في شؤون الآخر ، وفي الولايات المتحدة يختارون القضاة عن طريق الانتخاب ، وبهذا الأسلوب يعيّن القضاة الشعبيون بالاتحاد السوفياتي ، وكذلك في تشيكوسلو فاكيا ، وهذه الطريقة تؤدي إلى العديد من المشاكل ، منها ان أكثر المواطنين يجهلون أو لا يقدرون الكفاءة العلمية والخلقية في القاضي المنتخب ، ومنها ان الانتخابات تجري - غالبا - في ظل الترهيب والترغيب والخضوع للنزعات والأحزاب ، ومنها ان القاضي بشر غير معصوم عن الميل مع من وثق به وأدلى له بصوته ، والتحامل أو الانحراف عن غيره . . . وما إلى ذلك من المساوئ .