محمد جواد مغنية
383
في ظلال نهج البلاغة
الحكيم ، ولم يحل بين العبد في ضعفه وقلَّة حيلته وبين أن يبلغ ما سمّى له في الذّكر الحكيم . والعارف لهذا العامل به أعظم النّاس راحة في منفعة . والتّارك له الشّاكّ فيه أعظم النّاس شغلا في مضرّة . وربّ منعم عليه مستدرج بالنّعمى ، وربّ مبتلى مصنوع له بالبلوى . فزد أيّها المستمع في شكرك ، وقصّر من عجلتك ، وقف عند منتهى رزقك . المعنى : المراد بالذكر الحكيم القرآن ، اما المراد بالذي سمي فيه فهو * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ ) * - 8 الزلزلة . و * ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) * - 31 النجم . . إلى ما في هذا المعنى من الآيات . ويتلخص المعنى بأن العبد مجزي بأعماله ، وقادم على ما قدم ، ان خيرا فخير ، وان شرا فشر ، قويا كان في الدنيا أم ضعيفا ، فلا القوة والثروة في الحياة الدنيا تقربه من اللَّه زلفى ، وتنجيه من عذاب الجحيم ان كان من الضالين ، ولا الضعف والفقر يحول بينه وبين جنة النعيم ان كان من المهتدين . ( والعارف لهذا العامل به ) هذا إشارة إلى ما تقدم من أن أكرم الخلق عند اللَّه أتقاهم ، ومن عمل بموجب التقوى فهو في أمن وأمان ، وراحة ورضوان ( والتارك له إلخ ) . . في جهنم وبئس المصير ( ورب منعم عليه مستدرج بالنعمى ) * ( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ ا للهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ) * - 55 التوبة . ( ورب مصنوع له بالبلوى ) قد تكون البلوى ثوابا ورحمة ، كما قد تكون النعمى بلاء وفتنة ، وتقدم مثله في الخطبة 112 ( فزد أيها المستمع من شكرك ) للَّه بطاعته ( وقصر من عجلتك ) أي اصبر على مرارة الحق والعمل به ( وقف عند منتهى رزقك ) الحلال الطيب ، ودع الحرام الخبيث .