محمد جواد مغنية

339

في ظلال نهج البلاغة

الَّذين إذا اجتمعوا ضرّوا ، وإذا تفرّقوا نفعوا ( فقيل قد عرفنا مضرّة اجتماعهم فما منفعة افتراقهم فقال ) : يرجع أصحاب المهن إلى مهنتهم فينتفع النّاس بهم ، كرجوع البنّاء إلى بنائه ، والنّساج إلى منسجه ، والخبّاز إلى مخبزه . المعنى : في الرسالة 52 تحدث الإمام عن الفئة الأكثر عددا ، وأطلق عليهم كلمة العامة تارة ، والطبقة السفلى أخرى ، وأوصى بهم الولاة والموظفين ، وقال من جملة ما قال : « إن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة . . وانما عماد الدين وجماع المسلمين ، والعدة للأعداء - العامة من الأمة . . اللَّه اللَّه في الطبقة السفلى الذين لا حيلة لهم » . فالجماهير في نظر الإمام هم العنصر البشري الذي يتكون منهم الوطن ويوجد ، وبهم يتمثل الدين ويبرز إلى عالم الخارج مجسّما ملموسا له أثره وأعماله ، وأيضا هم العدد والقوة ضد أعداء الدين والوطن ، ومن هنا وجبت رعايتهم والعناية بهم ، وتقديم مصلحتهم على مصالح كل الفئات حتى رجال العلم والدين . . وهذا غاية المديح . هذا ما قاله الإمام عن الجماهير حين نظر إليهم من خلال مصلحة الدين والوطن ، أما وصفه لهم هنا بالضرر فهو باعتبار اجتماع طائفة منهم لسبب أو لآخر ، واندفاعهم مع العاطفة بلا تدخل عقل وروية . وليس من شك انهم في هذه الحال اللاشعورية يضرون ولا ينفعون ، ويتعصبون ولا ينصفون ، بخاصة إذا كان بينهم أفراد من اللصوص السفلة والمجرمين القتلة . ( الغوغاء ) وهم الناس المنحطون ، أو الخليط من هنا وهناك ( إذا اجتمعوا غلبوا ) لأن الاجتماع قوة بنفسه ، وإذا سيطر عليه الحماس وعاطفة الجهل ازدادت قوته أضعافا . ( وإذا تفرقوا لم يعرفوا ) لخمول ذكرهم ، وخفوت صوتهم . والجملة الثانية فسرها الإمام بأوضح بيان .