محمد جواد مغنية

318

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : ( لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل ) . كل خطير ونفيس يطول اليه الطريق ، وتكثر في نواله المشاق . حتى التافه الزائل من متاع الدنيا لا تصل اليه إلا بالسعي والحركة ، فكيف إذا كان المطلوب « ما لا عين رأت - مثله - ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » حتى الأنبياء ما دخلوا الجنة إلا بعد أن كافحوا وصبروا على الجهاد والآلام . قال الإمام : « حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات » . وقال حفيده الصادق : الإيمان كله عمل ، ولا إيمان بلا عمل . ( ويرجّي التوبة بطول الأمل ) . يرجى - بتشديد الجيم - يؤخر ويسوّف . وتقدم ان التوبة تجب على الفور . . هذا ، إلى أن الموت يأتي بغتة ، ولا شيء معه إلا حسرة الفوت ، ومرارة الندم ( ويقول في الدنيا إلخ ) . . أبدا لا صلة ولا علاقة بين أقواله وأفعاله ( ان أعطي منها إلخ ) . . مريض بداء النهم ، ولا يجد إلى الشبع سبيلا ، ولا إلى دائه دواء ( يعجز عن شكر إلخ ) . . يقول ولا يفعل ، ويأكل ولا يشبع ، ويطلب الكثير وما هو بأهل لأقل من القليل ، بل ولا لشيء إلا الصفع على القفا . ( يحب الصالحين إلخ ) . . يستحسن الفضيلة ، ويستقبح الجريمة نظريا ، أما في عمله فإنه يقترف الجرائم عن قصد وتصميم ، ومعنى هذا أنه ينقاد في سلوكه لمنطق العاطفة لا لمنطق العقل ، وأكثرنا نحن بني آدم على هذه الملة والمذهب . . ومن جملة ما قرأت ان بعض العلماء والعباقرة يؤمنون بالخرافة والأساطير . والسر انهم علماء في مهنتهم يصدرون فيها عن عقل وروية ، أما في غيرها فيصدرون عن التربية والعاطفة والبيئة . . وأفحش الأخطاء والأخطار أن تفسر الخرافة بالعلم ، والجريمة بالدين . ( يكره الموت لكثرة ذنوبه إلخ ) . . هو يؤمن بيوم الحساب ، ويعلم انه مذنب ومعاقب على ذنبه ، ومع هذا يضيف اليه ذنوبا ، ولا عجب لأن العاطفة هي المحرك الرئيسي للإنسان إلا إذا تغلب عليها العقل أو الدين ، أو تحول إلى عاطفة ، وقد أدرك أهل الاختصاص هذه الحقيقة ، وقالوا : إن تهذيب الأخلاق لا يكون بالمواعظ وقراءة الكتب ، بل بتربية الطفل وتنشئته على الخلق المرغوب فيه ، وتوجيه عاطفته اليه قبل أن تقوى وترسخ جذورها في نفسه . ( إن سقم ظل نادما إلخ ) . . إذا أصابه مكروه بما كسبت يداه ندم وتحسر ،